محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

75

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقد جاء في الخبر : « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » « 1 » . فإذا لم يكن العبد بهذا الوصف ، وعدم الحزن على ما فاته ، والندم على ما أتاه فهو ميّت القلب ! ! وإنما كان ذلك من قبل أن أعمال العبد الحسنة والسيئة علامتان على وجود رضا اللّه تعالى عن العبد وسخطه عليه ، فإذا وفّق اللّه تعالى عبده للصالحات سرّه ذلك ؛ لأنه علامة على رضاه عنه ، وغلب حينئذ رجاؤه ، وإذا خذله ولم يعصمه فعمل بالمعاصي ساءه ذلك وأحزنه ، لأنه علامة على سخطه عليه ، وغلب عليه حينئذ خوفه . والرجاء يبعث على الاجتهاد في الطاعات ، وليس من مقتضاه تركها وعدم الحزن على ما فاته منها إمنا واغترارا ، والخوف يبعث على المبالغة في اجتناب المعاصي والسيئات ، وليس من مقتضاه فعلها ، وترك الندم عليها إياسا وقنوطا ، وفي حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ آتاه آت ، فلما حاذانا ورأى جماعتنا أناخ « 2 » راحلته ، ثم مشى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أوضعت « 3 » راحلتي من مسيرة تسع فسيّرتها إليك ستا ، وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وأنضيت « 4 » راحلتي لأسألك عن اثنتين أسهرتاني . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : من أنت ؟ قال : زيد الخيل « 5 » . قال : بل أنت زيد الخير ، سل فربّ معضلة قد سألت عنها ، قال جئت لأسألك عن علامة اللّه فيمن يريد ، وعلامته فيمن لا يريد . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : بخ بخ « 6 » ، كيف أصبحت يا زيد ؟ قال : أصبحت أحب الخير وأهله وأحب أن يعمل به ، وإذا فاتني حننت إليه ، وإذا عملت عملا قلّ أو كثر أيقنت بثوابه . قال : هي هي بعينها يا زيد ، ولو أرادك اللّه للأخرى هيّأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( فتن ، 7 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 18 ، 26 ، 446 ، 15 ، 251 ، 252 ، 256 ) . ( 2 ) أناخ : أبرك . ( 3 ) أوضع : أسرع . ( 4 ) أنضى دابته : هزلها بكثرة السير وأضعفها . ( 5 ) زيد الخيل ( توفي سنة 9 ه - 630 م ) زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا من طيء . كنيته أبو مكنف من أبطال الجاهلية لقب « زيد الخيل » لكثرة خيله أو لكثرة طراده بها . كان طويلا جسيما ، وكان شاعرا محسنا وخطيبا لسنا ، موصوفا بالكرم . أدرك الإسلام وأسلم وسرّ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسماه « زيد الخير » وأقطعه أرض بنجد فمكث بالمدينة سبعة أيام وأصابته حمى شديدة فخرج عائدا إلى نجد فمات في الطريق . ( الأعلام 3 / 61 ، وحسن الصحابة 284 ) . ( 6 ) بخ : كلمة تقال في المدح والرضا بالشيء ، وتكرر للمبالغة فإن وصلت كسرت ونونت ( بخ بخ ) .