محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
76
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فقال زيد : حسبي ، حسبي . ثم ارتحل ولم يثبت « 1 » . لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن باللّه تعالى ؛ فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه . عظمة الذنب عند مرتكبه على وجهين : أولهما : أن يعظم عنده عظمة تحمله على التوبة منه والإقلاع عنه ، وصدق العزم ، على أن لا يعود إلى مثله ، فهذه عظمة محمودة ، وهي من علامات إيمان العبد ، كما قلنا . قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه : « إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فأطاره » ، ويقال : « إن الطاعة كلما استصغرت كبرت عند اللّه ، وأن المعصية كلّما استعظمت صغرت عند اللّه تعالى » . والثاني : أن تعظم عنده عظمة توقعه في اليأس والقنوط ، وتؤديه إلى سوء الظن باللّه تعالى ، فهذه عظمة مذمومة قادحة في الإيمان ، وهي شرّ عليه من ذنوبه ، وسبب ذلك وجود جهله بصفات مولاه المحسن الجواد الكريم ، ووقوفه مع نفسه وقياسه بعقله وحدسه « 2 » ، ولو كان عارفا باللّه حق المعرفة لاستحقر ذنوبه في جنب كرمه وفضله ، فأيّ قدر للعبد أو قيمة حتى يقع في ذنب لا يسعه عفو ربّه ، ويكبر عليه أن يغفره . قال في « التنوير » : « واعلم أنه لا بدّ في مملكته من عباد هم نصب الحلم ، ومحل ظهور الرحمة والمغفرة ووقوع الشفاعة » ، وافهم قوله صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لو لم تذهبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللّه تعالى فيغفر لهم » « 3 » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 4 » . وجاء رجل إلى الأستاذ أبي الحسن ، قدّس اللّه سره العزيز ، فقال : يا سيدي ، كان
--> ( 1 ) أخرجه ابن الجوزي في ( زاد المسير 7 / 29 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 30809 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 168 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق ( 6 / 37 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 4 / 109 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 7 / 194 ) . ( 2 ) الحدس : الظن والتخمين . ( 3 ) أخرجه مسلم ( توبة ، 11 ، 9 ) ، والترمذي ( جنة ، 2 ) ، ( دعوات ، 98 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 289 ، 2 ، 305 ، 309 ، 5 ، 414 ) . ( 4 ) أخرجه أبو داود ( سنة ، 21 ) والترمذي ( قيامة ، 11 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 37 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 / 213 ) .