محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
74
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الحقّ ، ويمتلي منه ، فيخرج الذكر من غير قصد ولا تدبّر ، وحينئذ يكون الحق المبين لسانه الذي ينطق به ، فإن بطش هذا الذاكر كان يده التي يبطش بها ، وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به ، قد استولى المذكور العليّ على الفؤاد فامتلكه ، وعلى الجوارح فصرفها فيما يرضيه ، وعلى الصفات من هذا العبد فقلّبها كيف شاء في مرضاته ، فلذلك يخرج الذكر من غير تكلّف ، وتنبعث الأعمال بالطاعات نشاطا ولذّة من غير كلال ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الجمعة : 4 ] . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] ، وقد وصف اللّه قلب أم موسى عليه السلام ، بمعنى ذلك ، في قوله الحق : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً [ القصص : 10 ] . أي فارغا من كل شيء ، إلا من ذكر موسى ، فكادت أن تبدي به من غير قصد منها لذكره ولا تدبير ، بل كان تركها للتصريح بذكره صبرا بما ربط اللّه على قلبها لتكون من المؤمنين بما أوحى إليها من قبل في شأن موسى وبأنه من المرسلين ، وبذلك يندفع الإشكال الذي ذكره أبو العز ، ووصفه بالعظم ، وهو اجتماع الضدين في بادىء الرأي ، وهما : الذكر والغفلة عن الذكر . وهذه المعالم والمراقي لا يعرف حقائقها إلا السالكون وجدانا والعلماء إيمانا وتصديقا ، فإيّاك والتكذيب بآيات اللّه فتكون من الصم البكم في الظلمات . ولمّا كان المذكور لا يجوز عليه وصف الفقد والعدم ولا يمنعه حجاب ، ولا يحويه مكان ، ولا يشتمل عليه زمان ولا يجوز عليه الغيبة بوجه ، ولا يتّصف بحوادث المحدثين ، ولا يجري عليه صفات المخلوقين ، فهو حاضر عينا ومعنى ، وشاهد سرّا ونجوى ، إذ هو القريب من كل شيء ، وأقرب إلى الذاكر له من نفسه من حيث الإيجاد له ، والعلم به ، والمشيئة فيه ، والقدرة والتدبير له ، والقيام عليه ، خلق الخليقة فلا تلحقه أوصافها ، وأوجد الأعداد فلا تحصره معانيها ، وهو العلي الكبير » . انتهى كلام الشيخ أبي العباس رحمه اللّه تعالى في معنى المقام الثالث من مقامات الذكر ، وهو في غاية الحسن والتحقيق مشيرا إلى توحيد الخواص من أهل هذا الطريق . فلا ينبغي أن يستبعد العبد الوصول إلى هذا المقام الكريم ، فليس ذلك بعزيز على الفتاح العليم ، فعلى العبد القيام بحق الأسباب ، ومن اللّه تعالى رفع الحجاب . وقال رضي اللّه عنه : من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات . القلب إذا كان حيّا بالإيمان حزن على ما فاته من الطاعات ، وندم على ما فعله من الزلّات ، ومقتضى هذا وجود الفرح بما يستعمل فيه من الطاعات ، ويوفّق له من اجتناب المعاصي والسيئات .