محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
73
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكثروا ذكر اللّه حتى يقولوا : مجنون » « 1 » . فينبغي للعبد أن يستكثر منه في كل حالاته ، ويستغرق فيه جميع أوقاته ، ولا يغفل عنه ، وليس له أن يتركه لوجود غفلته فيه ، فإن تركه له وغفلته عنه أشدّ من غفلته فيه ، فعليه أن يذكر اللّه تعالى بلسانه وإن كان غافلا فيه ، فلعل ذكره مع وجود الغفلة يرفعه إلى الذكر مع وجود اليقظة ، وهذا نعت العقلاء ، ولعل ذكره مع وجود اليقظة يرفعه إلى الذكر مع وجود الحضور ، وهذه صفة العلماء ، ولعل ذكره مع وجود الحضور يرفعه إلى الذكر مع وجود الغيبة عما سوى المذكور وهي مرتبة العارفين المحققين من الأولياء ، قال اللّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 42 ] . أي : إذا نسيت ما دون اللّه ، عند ذلك تكون ذاكرا اللّه ، وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العبد محوا في وجود العيان ، وفي هذا المعنى أنشدوا : ما إن ذكرتك ، إلّا همّ يقلّقني * سرّي ، وقلبي ، وروحي عند ذكراك حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي * إيّاك ويحك والتذكار إيّاك أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده * وواصل الكلّ من معناه معناك وقال الواسطي « 2 » مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره ، لأنّ ذكره سواه . وقال أبو العباس بن البنّا - في كلام ذكره على مقدمة كتاب أبي العزّ تقي الدين بن المظفر الشافعي ، وهو كتاب : « الأسرار العقلية في الكلمات النبوية » ورأيت هذا الكلام بخطه رحمه اللّه - « ومن أحسن الذكر ما هاج عن خاطر وارد من المذكور ، جلّ ذكره » ، وهذا هو الذكر الخفيّ عند المتصوّفة على الاستهتار والتمكن في الأسرار . وأما قولهم : حتى يتمكن الذاكر إلى حالة يستغرق بها عن الذكر فليس ذلك تمكن حلول ولا اتحاد بل حكمة ، وقدرة من عزيز حكيم ، وبيان ذلك أن يكون القلب عند الذكر في الذكر فارغا من الكل ، فلا يبقى فيه غير اللّه جلّ ذكره ، فيصير القلب بيت
--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 68 - 71 ) ، والحاكم في ( المستدرك 1 / 499 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 75 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 399 ) ، وابن كثير في ( التفسير ( 6 / 427 ) ، وابن المبارك في ( الزهد ، 362 ) ، وأحمد بن حنبل في ( الزهد 108 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 187 - 188 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 516 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 224 ) ، وابن السني في ( عمل اليوم والليلة 4 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1753 ، 1754 ، 1836 ، 1847 ، 1898 ، 3931 ) . ( 2 ) محمد بن موسى الواسطي ( توفي سنة 331 ه - 942 م ) أبو بكر . متصوف من كبار أتباع الجنيد فرغاني الأصل . من أهل واسط ، دخل خراسان ، وأقام بمرو فمات بها . قالوا : لم يتكلم أحد مثله في أصول التصوف . ( الأعلام 7 / 117 ، والرسالة القشيرية ص 439 ، وطبقات الشعراني 85 ) .