محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

67

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وكان شأنه المعاملة بالظاهر لا غير ، فليس له فائدة في صحبته ، بل ربما زادته شرا ، لأن خلطته تدعوه إلى التصنّع والتزيّن له ، ويؤدّيه ذلك إلى كبائر معاصي القلوب ، وهي أشدّ عليه من معاصي الجوارح بكثير . قال يوسف بن حسين الرازي ، رضي اللّه تعالى عنه : « لأن ألقى اللّه بجميع المعاصي أحبّ إليّ من أن ألقاه بذرّة من التصنّع » ، فيدخل بذلك عليه النقص في حاله من حيث رجاء الزيادة فيها . قال بعض الصوفية : « لا تعاشر من الناس إلّا من لا تزيد عنده ببرّ ، ولا تنقص عنده بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواه » وقال بعضهم : « كن مع أبناء الدنيا بالأدب ، ومع أبناء الآخرة بالعلم ، ومع العارفين كن كيف شئت » . وقيل لبعض الصالحين : « إن فلانا يحبّك ويكثر ذكرك ، فقال : إنه لحبيب إليّ ، وأجلّه ، وأعرف قدره ، ولكن يهون علي أن ألقى الشيطان ألف مرة ولا ألقاه مرة واحدة ! ! فقيل له : وكيف ذلك ؟ ! قال : أخشى أن أتزيّن له أو يتزين لي . قال الشيخ أبو طالب المسكي ، رضي اللّه تعالى عنه : « وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربعة معان ، لا يترجح بعضها على بعض ، ولا يكون فيها اعتراض من بعض على بعض ، إن أكل صاحبه الدهر كله لم يقل له صاحبه « صم » ، وإن صام الدهر كله لم يقل له صاحبه « أفطر » وإن نام الليل كله لم يقل له صاحبه « قم فصلّ » وإن صلى الليل كله لم يقل له صاحبه « نم بعضه » ، وتستوي أحواله عنده ، فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه ، ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه ، قالوا : وإذا كان يزيد عنده بالعلم وينقص بترك العمل فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل أنّ النفس مجبولة على حبّ المدح وكراهة الذم ، ومبتلاة بأن يرى حالها التي عرفت به ، وأن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها ، وأن تجتلب ما يوجب المدح منهم ، وتجتنب ما يوقع الذم عندهم ، فإذا صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك طريق الصادقين ولا بغية المخلصين ، فمجانبة هؤلاء الناس أصلح للقلوب وأسلم للدين ، وفي معاشرة أمثالهم فساد القلب ونقصان الإيمان وضعف اليقين ؛ لأن هذه أسباب الرياء ، وفي الرياء حبط الأعمال وخسران رأس المال ، والسقوط من عين ذي الجلال . وكان الثوري ، رضي اللّه عنه يقول : « من عاشر الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه فيهلك كما هلكوا » وكان بعض الحكماء يقول : « لا تؤاخ من الناس من يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه ، وعند طمعه وهواه ؛ لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد الانتفاع .