محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

68

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال في موضع آخر : « من كان ناظرا في أخوّة أخيه ، أو في صحبته لكثرة أعماله ، أو واقفا مع أكمل أحواله دلّ على جهله بهذه الطريق التي تنفذ إلى التحقيق لأنها تحول ، وإنما العمل على حقائق القلوب لأنها ثابتة في الأصول ، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الأخوة دخل عليه التزيّن له والتصنّع عنده ، لتعلوا منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد ، فتزلّ قدم بعد ثبوتها ، ويسقط من عين مولاه فلا يتولّاه ، لأن النفس مبتلاة بحبّ الثناء والمدح وإثبات المنزلة بإظهار الوصف ، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أسأم الناس عليه وأضرهم له ، ويصير أحدهما بلاء على صابحه ، فليفارقه حينئذ لأنه جاهل فلا يصحبه ، لأنه يجد النقصان بصحبته ، وتدخل عليه الآفات بمقارنته ولينفرد بنفسه ويصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة ، وضيعة كانت أو رفيعة من غير مقاربة أحد ولا مباينته فهو خير له وأحمد عاقبة » انتهى . ويدلّ على إرادة صاحب الكتاب لهذا المعنى الذي ذكرناه في التنبيه على قوله « لا تصحب من لا ينهضك حاله » ما أعقبه به من قوله : « ولا يدلّك على اللّه مقاله » ، فيكون الحال والمقال متناسبين في كون كلّ واحد منهما متعلّقا باللّه تعالى عبودية ودلالة . قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : « احذر صحبة ثلاثة أصناف من الناس : الجبابرة الغافلين ، والقرّاء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين » وقال يوسف بن الحسين الرازي ، رحمه اللّه تعالى ، قلت لذي النون المصري « 1 » رضي اللّه تعالى عنه : « من أصحب ؟ فقال : من لا تكتمه شيئا مما يعلمه اللّه منك » . وقال « حمدون القصّار « 2 » » رضي اللّه تعالى عنه : « أصحب الصوفية ؛ فإنّ للقبيح عندهم وجوها من المعاذير ، وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظّمونك به » إشارة إلى أن العجب بالعمل منفيّ عندهم في صحبتهم .

--> ( 1 ) ذو النون المصري ( توفي سنة 245 ه - 859 م ) ثوبان بن إبراهيم الإخيمي المصري ، أبو الفياض أو أبو الفيض . أحد الزهاد العباد المشهورين من أهل مصر . نوبيّ الأصل من الموالي كانت له فصاحة وحكمة وشعر ، وهو أول من تكلم بمصر في ( ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة فاستحضره إليه وسمع كلامه ، ثم أطلقه فعاد إلى مصر . وتوفي بجيزتها . ( الأعلام 2 / 102 ، وطبقات الشعراني 1 / 59 ، وميزان الاعتدال 1 / 331 ، ووفيات الأعيان 1 / 315 - 318 ، والرسالة القشيرية ص 433 ) . ( 2 ) حمدون بن أحمد بن عمارة القصار النيسابوري ( توفي سنة 271 - 884 م ) أبو صالح ، صوفي ، كان شيخ أهل الملامة بنيسابور ومنه انتشر مذهب الملامة ، وكان عالما فقيها يذهب مذهب الثوري وله طريقة اختص بها . ( الأعلام 2 / 274 ، والرسالة القشيرية ص 426 ) .