محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

66

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ظاهرها طلب الحظ العاجل ، فقوله : « فهجرته إلى اللّه ورسوله » هو معنى الارتحال من الأكوان إلى المكوّن ، وهو المطلوب من العبد ، وهو مصرّح به غاية التصريح وقوله : « فهجرته إلى ما هاجر إليه » هو البقاء مع الأكوان والتنقل فيها ، وهو الذي نهى عنه ، وهو مشاربه غير مصرّح ، فليكن المريد عالي الهمّة والنيّة حتى لا يكون له التفات إلى غير ولا كون البتة ، ولقد أحسن الشاعر في قوله : وكلّ ما قد خلق اللّه ولم يخلق * محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي « 1 » قال رجل لأبي يزيد ، رضي اللّه عنه : « أوصني ، فقال : إن أعطاك من العرش إلى الفرش فقل له : لا ، أنت أريد » . وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « لو خيرت بين ركعتين ودخول الفردوس لاخترت ركعتين ؛ لأني في الفردوس بحظي وفي الركعتين بربي » . وقال الشبلي رضي اللّه تعالى عنه ، « احذر مكره ولو في قوله كلوا واشربوا » يريد : لا تستغرق في الحظ ، ولتكن في كل شيء به لا بنفسك ، فقوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا * [ البقرة : 60 ] وإن كان ظاهره إكراما وإنعاما ، فإن في باطنه ابتلاء واختبارا حتى ينظر من هو معه ، ومن هو مع الحظ ، قال رضي اللّه تعالى عنه : لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على اللّه مقاله . تكلم هاهنا في « الصحبة » وهي أصل كبير من أصول القوم ، وفيها منافع وفوائد ؛ ولذلك استمر عليها شأنهم قديما وحديثا ، وقد نبّه المؤلف رحمه اللّه على فائدتها في قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على اللّه مقالة ) فإنهاض الحال ودلالة المقال على اللّه تعالى هو فائدة الصحبة ، ومعنى الحال المنهضة هاهنا ، هو : أن تكون همته متعلقة باللّه تعالى ، مرتفعة عن المخلوقين ، لا يلجأ في حوائجه إلا إلى اللّه تعالى ، ولا يتوكل في أموره إلّا على اللّه . قد سقط اعتبار الناس من عينه فلا يرى منهم ضرّا ولا نفعا ، وسقطت نفسه من عينه فلا يشاهد لها فعلا ، ولا يقتضي لها حظا ، ويكون في أعماله كلها جرايا على مقتضى الشرع من غير إفراط ولا تفريط ، وهذه صفة العارفين الموحدين ، فصحبة من هذه حاله وإن قلت عباداته ونوافله مأمونة الغائلة « 2 » ، محمودة العاقبة ، جالبة لكل فائدة دينية ودنيوية ؛ لأن الطبع يسرق من الطبع ، والنفس مجبولة على حب الاقتداء بمن تستحسن حاله ، ولا يشترط في المصحوب اتصافه بتلك الصفات على غاية الكمال والتّمام ؛ فإن ذلك متعذر ، وإنما يشترط فيه أن يتصف منها بما يفوق صاحبه به فقط بحيث يكون أعلى منه حالا ، وأصوب منه مقالا ، ومن لم يكن على هذا الوصف

--> ( 1 ) المفرق : موضع انفراق الشعر . ( 2 ) الفائلة : الداهية أو المهلكة أو الفساد والشر .