محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
65
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
جذوع النخل ، بل قالوا : لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ، وَالَّذِي فَطَرَنا . . . [ طه : 72 ] الآية ثم قالوا : وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى فهؤلاء استنارت قلوبهم ، وشاهدوا محبوبهم فكان منهم ما كان . لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى « 1 » يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل ، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن ، وإن إلى ربك المنتهى . العمل على طالب الجزاء والدرجات أو نيل الرتب العلية والمقامات نقصان في الحال ، وشوب في إخلاص الأعمال ، وهو معنى الرحيل من كون إلى كون وسبب ذلك بقاء اعتبار النفس في أن تحصل لها رتبة أو تنال بسعيها موهبة ، وهذه كلها من الأكوان والأكوان كلها متساوية في كونها أغيارا ، وإن كان بعضها أنوارا . وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين على رؤية الأغيار ، وتلطف في دعائهم إلى حسن الأدب بين يدي الواحد القهار حتى يتحققوا بمعنى قوله تعالى : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] فيكون انتهاء سيرهم إليه وعكوف قلوبهم عليه ، وتكون أعمالهم إذ ذاك وفاء بمقتضى العبودية وقياما بحق الربوبية فقط . من غير التفات إلى النفس على أي حالة تكون ، فهذا هو تحقيق الإخلاص الكائن عن مشاهدة التوحيد الخاص ، جعلنا اللّه من أهله بمنّه وفضله إنه على كل شيء قدير . وانظر إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه « 2 » فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم . في هذا الحديث النبوي تنبيه على المعنى الذي ذكره ، وموضع الاعتبار والتأمل هو ، واللّه أعلم ، قوله في القسم الثاني « فهرجته إلى ما هاجر إليه » أي : فلا نصيب له من الوصول والقرب الذي حظى به من هاجر إلى اللّه ورسوله ، وهو قوله : « فهجرته إلى اللّه ورسوله » ، وهذا من باب حصر المبتدأ في الخبر : كما تقول : زيد صديقي ، أي لا صديق لي غيري ، وكأنه صلى اللّه عليه وسلم نبّه في القسم الثاني بالدنيا التي يريد أن يصيبها والمرأة التي يريد أن يتزوجها على حظوظ النفس والوقوف معها والعمل عليها كائنة ما كانت ، وإن كان
--> ( 1 ) الرحى : الأداة التي يطحن بها ، أو حجرها المستدير . ( 2 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي ، 1 ) ، ( إيمان ، 41 ) ، ( عتق ، 6 ) ، ( مناقب الأنصار ، 45 ) ، ( نكاح ، 5 ) ، ( أيمان ، 23 ) ، ( حيل ، 1 ) ، ومسلم ( إمارة ، 155 ) ، وأبو داود ( طلاق ، 11 ) ، والترمذي ( فضائل الجهاد ، 16 ) ، والنسائي ( طهارة ، 59 ) ، ( طلاق ، 24 ) ، ( أيمان ، 19 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 26 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 25 ، 43 ) .