محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
64
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وروى عن أبي سعيد الخدري « 1 » رضي اللّه عنه قال : « عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مريضا ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كيف ظنّك بربك ؟ قال : يا رسول اللّه حسن الظنّ . قال : فظنّ به ما شئت ؛ فإن اللّه تبارك وتعالى عند ظنّ المؤمن به » . وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ حسن الظن باللّه من حسن عبادة اللّه » « 2 » . قلت : والأخبار والآثار في الرجاء وحسن الظن باللّه وسعة رحمته أكثر من أن تحصى ، ومطالعتها مما يزيد المريد قوة في هذا المقام ، فمن أراد الشفاء في ذلك فعليه بمطالعة كتاب « الرجاء » من قوت القلوب ، وكتاب « الإحياء » قال بعضهم : ما زلت أرجو اللّه حتى كأنني * أرى بجميل الصنع ما هو صانع ثم بيّن رحمه اللّه تعالى الحالة التي بمنازلتها يتحقق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى ، وهو : عكوف العبد بباب اللّه وتعلّق قلبه بوحدانيته ، وأشار إلى أن ذلك هو غاية النعيم ، ومنتهى الأماني ، لا ما تتوهمه النفس وتطلبه من النعيم المعقول والأمنيات التي تفنى وتزول ، وحكم بأن خلاف هذا من عمى القلب ومما يستحق أن يتعجب منه كل ذي لبّ فقال : العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه ، ويطلب ما لا بقاء له معه ، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . هرب العبد من مولاه بإقباله على شهواته ومتابعة هواه ، وذلك نتيجة عمى قلبه ووجود جهله بربه ؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وآثر الفاني الذي لا بقاء له على الباقي الذي لا انفكاك له عنه ، ولو كانت له بصيرة لآثر الباقي على الفاني ، ولفعل ما فعله سحرة فرعون لما آمنوا بربّهم إذ لم يحفلوا بما وعدهم به فرعون من الإحسان والإنعام والتقريب والإكرام ، ولم يكترثوا بما توعّدهم به من العذاب والقتل والصلب على
--> - 9 / 169 - 221 ، 10 / 277 ) ، وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن ، 3 ) ، والبيهقي ( الأسماء والصفات 208 ) ، والسهمي في ( تاريخ جرجان 506 ) . ( 1 ) أبو سعيد الخدري ( 10 ق ه - 74 ه / 613 - 693 م ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي صحابي ، من ملازمي الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، غزا اثنتي عشرة غزوة ، وله ( 1170 ) حديثا ، توفي في المدينة المنورة . ( الرسالة القشيرية ص 97 - 98 ، وتهذيب الكمال 7 / 103 ، والأعلام 3 / 87 ، وحلية الأولياء 1 / 369 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( أدب ، 81 ) والترمذي ( دعوات ، 115 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 297 ، 304 ، 359 ، 407 ، 491 ) .