محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

58

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والتفقّد والنظر فيما يصلح به أعمالهم وأحوالهم وأنفسهم ، والمحافظة على تطهير الأسرار والقلوب ، والمبالغة في الحذر من محقرات الذنوب . وقد نقل الإمام أبو حامد الغزالي ، قدّس اللّه سره ، منه فصلا في كتابه ، واعتمد فيه ذكره بلفظه ، ونصّ خطابه ، بعد أن أثنى على مؤلفه بما هو أهله ، أبان للجاهل به علمه وفضله ، فقال في حقه « والمحاسبي ، رحمه اللّه تعالى ، حبر « 1 » الأمة في علم المعاملة ، وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات » . وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه ، ثم ذكره ، وقد كان أوحد زمانه علما وعبادة ، ونخبة أوانه ورعا وزهادة ، سيدي الحاج أبو العباس بن عامر ، رحمة اللّه تعالى عليه ورضوانه ، يكثر من التحريص على مطالعة ذلك الكتاب والعمل بما تضمنه من حق وصواب ، وأظنني سمعته ذات يوم يقول : لا يعمل بما فيه إلّا وليّ ، أو كلاما هذا معناه ! فليتخذ المريد مطالعته وردا ، وليحرص على العمل بما تضمنه ، مستعينا باللّه تعالى ، وسائلا منه توفيقا ورشدا ، لينصح لمولاه في مراعاة إصلاح باطنه ، والقيام على قدم التصديق في مواطنه ، وليجعل هجيراه « 2 » مطالعة كتب التصوّف وموالاة أهله بالتألف والتعرّف ، فبذلك تتقوى أنوار إيمانه ويقينه ، وتنتفي عنه الغرّة في عمله بوظائف دينه ، ولا يقدّم على ذلك إلا فرض العين وما يستجمّ به نفسه من مكابدة التعب والأين « 3 » ، ولا يشغل نفسه بعلم يغبّر على وجه مقصوده ، ويوجب له انتكاث « 4 » مواثيقه وعهوده وهو ما أكبّ الناس عليه اليوم ، وحادوا به عن سنن القوم حتى تطرق لهم بسبب ذلك من رذائل الصفات ، وعظائم الآفات ما صار بهم إلى الهلاك والشقاء ، وأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم اللقاء ، وسجّل عليهم بالكذب في دعواهم أنهم قاصدون بعلمهم رضا مولاهم ، فإياك وإياهم . وأنشد : لقد أسمعت إذ ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي ولذلك قال المؤلف : ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه ؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟

--> ( 1 ) الحبر : العالم الصالح ( ج ) أحبار . ( 2 ) هجيراه : أي دأبه وعادته وما يولع بذكره . ( 3 ) الأين : الكد والتعب . ( 4 ) انتكث العهد : بطل أو أخل به ولم يعمل بموجبه .