محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
59
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فائدة الصحبة إنما هي الزيادة في الحال وعدم النقصان فيها ، حسبما يأتي الكلام عليه عند قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على اللّه مقاله ) . فصحبة من يرضى عن نفسه ، وإن كان عالما ، شرّ محض ، ولا فائدة فيها ، لأن علمه غير نافع له ، وجهله الذي أوجب رضاه عن نفسه صار غاية الضرر ، وكأنه إذ فاته هذا العلم الذي يريد عيبه حتى لا يرضى عن نفسه لا علم عنده . وصحبة من لا يرضى عن نفسه ، وإن كان جاهلا ، خير محض ، وفيه كل الفائدة ، لأن جهله غير ضار ، وعلمه الذي أوجب له عدم رضاه عن نفسه نافع غاية النفع ، وكأنه إذا حصل له هذا العلم لا جهل عنده . شعاع البصيرة يشهدك قربه منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك . شعاع البصيرة نور العقل ، وعين البصيرة نور العلم ، وحق البصيرة نور الحق . فالعقلاء بنور عقولهم شهدوا أنفسهم وشاهدوا ربّهم قريبا منهم أي بالعلم والإحاطة . والعلماء بنور علمهم شهدوا أنفسهم عدما في وجود ربهم ، والمتحققون بنور الحق شاهدوا الحق ولم يشاهدوا معه سواه . كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان . الأزمنة هاهنا أمور وهمية لا وجود لها على التحقيق ، والمقصود أن اللّه لا شيء معه ؛ لثبوت أحديته . فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن * فما ثمّ موصول وما ثمّ بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى * بعيني إلّا عينه إذ أعاين وسيأتي من كلام المؤلف رحمه اللّه تعالى : ( الأكوان ثابتة بإثباته ممحوّة بأحدية ذاته ) . وقال قدّس اللّه سرّه : لا تتعد نية همتك إلى غيره ، فالكريم لا تتخطاه الآمال . الهمّة العلية تأنف من رفع حوائجها إلى غير كريم ، ولا كريم على الحقيقة سوى اللّه تعالى ، قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : « الكريم الذي لا يحوجك إلى مسألة » . وقال الحارث المحاسبي ، رضي اللّه تعالى عنه : الكريم الذي لا يبالي من أعطى .