محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

57

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ولذلك قال أبو حفص ، رضي اللّه عنه : « من لم يتّهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها في جميع الأحوال ، ولم يجرّها إلى مكروهها في سائر أيامه كان مغرورا ، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها ، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه ، والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول : ( وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) » . وقال أيضا أبو حفص ، رضي اللّه عنه : « منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن اللّه ينظر إليّ نظر السخط وأعمالي تدل ذلك » . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : « لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك » . وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « ما رضيت عن نفسي طرفة عين » . ويحكى عن سريّ السقطي « 1 » ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : « إني لأنظر إلى وجهي في اليوم كذا كذا مرة مخافة أن يكون قد اسودّ لما أخافه من العقوبة » . وقال أيضا : « من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر ، ولا أحسبني إلا منهم » . إلى غير هذا من العبارات الصادرة من المشايخ رضي اللّه عنهم في هذا المعنى . وقد ألّف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ، رضي اللّه تعالى عنه جزءا صغير الجرم ، عظيم الفوائد في عيوب النفس وكيفية مداواتها ، فلينظر فيه المريد . وكذلك ألّف قبله الإمام أبو عبد اللّه الحارث المحاسبي « 2 » كتابا سماه « النصائح » جمع فيه من معايب النفس وخدعها ، وغرورها وشرورها ، جملة شافية ، ونبّه فيه على سنن دراسة عافية ، مما كان عليه سلفنا الصالح ، رضوان اللّه تعالى عليهم ، من التفتيش

--> ( 1 ) السريّ السقطي ( توفي سنة 253 ه - 867 م ) سري بن المفلس السقطي ، أبو الحسن من كبار المتصوفة بغدادي المولد والوفاة ، وهو أول من تكلم في بغداد بلسان التوحيد وأحوال الصوفية ، وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته ، وهو خال الجنيد وأستاذه ، من كلامه « من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز » . ( الأعلام 3 / 82 ، الرسالة القشيرية ص 417 ، وطبقات الشعراني 1 / 63 ، وحلية الأولياء 10 / 116 ، ووفيات الأعيان 2 / 357 - 359 ) . ( 2 ) الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد اللّه من أكابر الصوفية ( توفي 243 ه - 857 م ) كان عالما بالأصول والمعاملات واعظا مبكيا ، ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد من كتبه ( آداب النفوس ) وغيره ، ( الأعلام 2 / 153 ، وفيات الأعيان 2 / 57 - 58 ) ، تهذيب الكمال 4 / 18 ، والرسالة القشيرية ص 429 .