محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
56
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
واعلم أنه لا يتهيّأ هذا السلوك إلى حضرة ملك الملوك إلا لمن وفقه اللّه تعالى لمعرفة نفسه ، وما ركبت عليه من مذام الصفات ، ومن عرف ذلك من نفسه لا يزال متهما لها مسيئا ظنّه بها ، آخذا حذره منها ، وإلّا وقع في المعاصي والذنوب من حيث لا يشعر ، وقد نبّه المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، على هذا بقوله : أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها . الرضا عن النفس أصل جميع الصفات المذمومة ، وعدم الرضا عنها أصل الصفات المحمودة . وقد اتفق على هذا جميع العارفين وأرباب القلوب ؛ وذلك لأن الرضا عن النفس يوجب تغطية عيوبها ومساويها ، ويصير قبيحها حسنا ، كما قيل : وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة وعدم الرضا عن النفس على عكس هذا ؛ لأن العبد إذ ذاك يتّهم نفسه ، ويتطلّب عيوبها ، ولا يغتر بما يظهر من الطاعة والانقياد ، كما قيل في الشطر الأخير : كما أن عين السخط تبدى المساويا فمن رضي عن نفسه استحسن حالها وسكن إليها ، ومن استحسن حال نفسه وسكن إليها استولت عليه الغفلة ، وبالغفلة ينصرف قلبه عن التفقد والمراعاة لخواطره ، فتثور حينئذ دواعي الشهوة على العبد ، وليس عنده من المراقبة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها ، فتصير الشهوة غالبة له بسبب ذلك ، ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي لا محالة ، وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه ، ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها ، ومن كان بهذا الوصف كان متيقّظا متنبها للطوارق والعوارض ، وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها ، وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها عليه غلبة ولا قوة ، فيتّصف العبد حينئذ بصفة العفّة ؛ فإذا صار عفيفا كان مجتنبا لكل ما نهاه اللّه عنه ، محافظا على جميع ما أمره به ، وهذا هو معنى الطاعة للّه عزّ وجلّ ، وأصل هذا كله عدم رضاه عن نفسه . فإذن لا شيء أوجب على العبد من معرفة نفسه ، ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها ، وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلو مقامه ، وقد ورد عن الكبار والأئمة الأخيار من الكلمات المتضمنة لعيبهم لنفوسهم ، والتهمة منهم لها ، وعدم رضاهم عنها أكثر من أن يحصى .