محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
36
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء حتى استدلّ عليه المستدلّون بالأشياء كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] . وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء إذ هو المتجلّي فيها بمحاسن صفاته وأسمائه . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء في طور ذلك الشيء ، ولذلك كان ساجدا له ومسبّحا بحمده ، ولكن لا نفقه ذلك . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء لتحقّق هذا الاسم له أزلا وأبدا . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء لأن الوجود أظهر من العدم في كلّ حال . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء إذ كل ما سواه عدم لا وجود له على التحقيق . [ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء . . . الخ ] كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء لثبوت إحاطته بك ، ووجود قيّوميّته عليك . كيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء حتى استدلّ به الشاهدون على الأشياء ، كما قال اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] . يا عجبا ، كيف يظهر الوجود في العدم . لأن العدم ظلمة ، والوجود نور ، وهما ضدّان لا يجتمعان . أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم لأن الباطل لا يثبت مع ظهور الحق ، كما قال تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] . وقال عزّ من قائل : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] . قلت : وهذا الفصل من قوله : « الكون كلّه ظلمة . . . إلى هنا ) أبدع فيه المؤلف