محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

37

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

غاية الإبداع ، وأتى فيه بما تقرّ به الأعين وتلذّ به الأسماع ؛ فإنه رضي اللّه عنه ذكر جميع متعلّقات الظهور ، وأبطل حجابية كل ظلام ونور ، وأراك فيه الحقّ رؤية عيان وبرهان ، ورفعك من مقام الإيمان إلى أعلى مراتب الإحسان . كل ذلك في أوجز لفظ ، وأفصح عبارة ، وأتمّ تصريح وألطف إشارة ، فلو لم يكن في هذا الكتاب إلّا هذا الفصل لكان كافيا شافيا ، فجزاه اللّه عنا خيرا . ثم قال رضي اللّه عنه : ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره اللّه فيه . إذا أقام تعالى العبد في حال من الأحوال التي لا يذمّها الشرع ، فليتزم حسن الأدب في اختيار بقائه عليها ورضاه بها ، وليراقب اللّه تعالى في مراعاة آدابها ، وليوافق مراد اللّه تعالى في ذلك حتى يكون هو الذي ينقله عنها . قال أبو عثمان ، رضي اللّه عنه : « منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته ، ولا نقلني إلى غيره فسخطته » . وقد تقدّمت حكاية المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، مع شيخه أبي العباس المرسي حين عزم على « التجرّد » وترك ما كان عليه من الاشتغال بالعلم الظاهر ، وما أجابه الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وهذا من نتائج العلم باللّه تعالى ومعرفة ربوبيته ؛ فإن سخط تلك الحال وتشوّف إلى الانتقال عنها بنفسه ، وأراد أن يحدث غير ما أظهره اللّه تعالى ، فقد بلغ غاية الجهل بربّه ، وأساء الأدب في حضرة مولاه عزّ وجل ، وهذا من معارضته حكم الوقت الذي تشير إليه الصوفية ، وهو عندهم من أعظم ذنوب الخاصة ، فالواجب على العبد الاستسلام لحكم اللّه تعالى في ذلك الوقت ، فهو أدب العبوديّة ومقتضى العلم باللّه تعالى . وهذا هو أحد معاني لفظ « الوقت » في اصطلاحهم . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه « 1 » : « وقد يريدون بالوقت : ما يصادفهم من تصريف الحقّ لهم ، دون ما يختارونه لأنفسهم ، ويقولون : « فلان بحكم الوقت » أي : إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له . وهذا فيما ليس للّه تعالى عليهم فيه أمر أو اقتضاء بحق شرع ، إذ التضييع لما أمرت به ، وإحالة الأمر فيه على التقدير وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير : خروج عن الدين .

--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 55 .