محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
35
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقد صنّفوا في بيان هذا الأمر تصانيف وتفننوا في الكلام في هذا المعنى نظما ونثرا ، وكلّ عبّر على حسب شربه « 1 » وذوقه ، جزاهم اللّه عنا خيرا . فإذا تقرّر هذا ، ووجدنا أكثر الناس قد حجبوا عن اللّه تعالى بشهواتهم الدنيوية ودرجاتهم الأخروية ومقاماتهم العلوية ، فكل ذلك من الأغيار العدمية والوجودات الوهمية ، علمنا بذلك وجود قهره ؛ إذ من أسمائه تعالى « القهّار » ، ولو ارتفع الحجاب عنهم لفنوا عن أنفسهم وإرادتهم ، وبقوا بربّهم ، وكانوا عبادا للّه حقّا . وقد سئل أبو سعيد بن الأعرابيّ رضي اللّه عنه ، عن الفناء ، فقال : « الفناء أن تبدو العظمة والجلال على العبد فتنسيه الدنيا والآخرة والأحوال والدرجات والمقامات . والأذكار تفنيه عن كل شيء وعن نفسه وعن فنائه عن الفناء ؛ لأنه يفرق في التعظيم عقله » انتهى . قالوا : والفناء على ثلاثة أوجه : فناء في الأفعال : ومنه قولهم : لا فاعل إلّا اللّه . وفناء في الصفات : أي لا حيّ ، ولا عالم ، ولا قادر ، ولا مريد ، ولا سميع ، ولا بصير ، ولا متكلّم على الحقيقة إلّا اللّه . وفناء في الذات : أي لا موجود على الإطلاق ، إلا اللّه تعالى ، وأنشدوا في ذلك : فيفنى ثم يفنى ثم يفنى * فكان فناؤه عين البقاء وقال سيدي محيي الدين : « من شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز ، ومن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز ، ومن شهدهم عين العدم فقد وصل » . وأنشدوا في هذا المعنى : من أبصر الخلق كالسراب * فقد ترقّى عن الحجاب « 2 » إلى وجود يراه رتقا * بلا ابتعاد ولا اقتراب « 3 » ولم يشاهد به سواه * هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه * ولا مشير إلى الخطاب كيف يتصور أن يحجبه شيء ، وهو الذي أظهر كل شيء بما أشرق عليه من نور الوجود ، وقد كان في ظلمة العدم ، كما تقدّم .
--> ( 1 ) الشّرب : النصيب من الشراب . ( 2 ) السراب : ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر كالماء يلصق بالأرض ، ويضرب به المثل في الكذب والخداع . والسراب : ما لا حقيقة له . ( 3 ) رتق الفتق : سدّه ولأمه . وفتق القوم : أصلح بينهم .