محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

354

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فإذا تطهّر العبد من الشك والشرك تولاه اللّه تعالى بالهداية والتسديد ، والمعونة والتأييد . وفي أخبار داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن اللّه أوحى إليه : يا داود هل تدري متى أتولاهم : إذا طهّروا قلوبهم من الشرك ونزعوا من قلوبهم الشك . بك استنصر فانصرني ، وعليك أتوكل فلا تكلني وإياك أسأل فلا تخيبني ، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني ، ولجنابك أنتسب فلا تبعدني ، وببابك أقف فلا تطردني . تعلق باللّه تعالى في كل مطلب من هذه المطالب وأضرب عن الوسائط والأسباب ، وذلك من تحققه بالتوحيد الذي سأل من مولاه أن يحققه به بتطهيره من أضداده . ومعاني هذه الكلمات قريب بعضها من بعض . قال أبو الحسن عليّ بن هند الفارسي ، رضي اللّه تعالى عنه : اجتهد في أن لا تفارق باب سيدك بحال ؛ فإنه ملجأ الكل ، فمن فارق تلك السّدة « 1 » لا يرى بعدها لقدميه قرارا ولا مقاما . إلهي تقدّس رضاك عن أن تكون له علة منك ، فكيف تكون له علة منّي . رضا اللّه تعالى صفة من صفاته . وصفاته قديمة ، ولذلك امتنع عليها سبقية العلل . والقديم لا يكون مسبوقا بشيء . وإذا كانت صفاته العلية منزّهة عن أن يكون لها علة منه ، فكيف يكون لها علة من غيره . فرضا اللّه تعالى لا علة له ولا سبب ، بل رضاه وسخطه هما سبب أعمال العاملين حسنها وسيئها ، رضى عن قوم فاستعملهم بأعمال أهل الرضا ، وسخط على قوم فاستعملهم بأعمال أهل السخط . قال أبو بكر الواسطي ، رضي اللّه عنه : « الرضا والسخط نعتان من نعوت الحق يجريان على الأبد بما جريا في الأذل يظهران الوسمين على المقبولين والمطرودين ، فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم ، كما بانت شواهد المطرودين بظلامها عليهم ؛ فأنّى تنفع من ذلك الألوان المصفرة ، والأكمام المقصّرة ، والأقدام المنتفخة ؟ ! أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عنيّ . الكلام في الغنى كالكلام في الرضا . وكأن المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، قصد في مناجاة بهذه الكلمات الاسترضاء والاستعطاف ، فطلب المسامحة والتجاوز عن أعماله

--> ( 1 ) السدة : باب الدار .