محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
355
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
المدخولة وأحواله المعلولة ، وذلك من أحسن المقاصد للداعي . إلهي : إن القضاء والقدر غلبني ، وإن الهوى بوثائق الشهوة أسرني ، فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتنصر بي ، وأغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي . هذا اعتذار واعتراف ، واللّه تعالى أكرم من أن يردّ عذر من اعتذار إليه ، أو يخيّب أمل من اعترف بذنبه وأقرّ به لديه ، يقال : إن العبد يبتهل إلى اللّه تعالى في الاعتذار ، والحق ، سبحانه وتعالى يقول له : عبدي ، لو لم أقبل عذرك لما وفّقتك للاعتذار . وقال الكتاني ، رضي اللّه تعالى عنه : « لم يفتح اللّه تعالى لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح باب المغفرة » فلا جرم لمّا وثق بذلك ، وقوى رجاؤه فيه طلب منه النصرة له على أعدائه ، ولم يقتصر على ذلك ، بل أضاف إليه طلب النصرة به ؛ لتكون تلك النصرة بسببه وعلى يديه . كما قال أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « واجعلنا سبب الغنى لأوليائك وبرزخا بينهم وبين أعدائك » . ثم لم يقنع بذلك حتى طلب منه أن يغنيه بما يستغنى به عن الطلب منه ، وهو ما يؤتيه من فضله العظيم وكرمه الجسيم ، وهذه هي غاية السعادة ، كما قال سيدي أبو الحسن رضي اللّه عنه : والسعيد حقّا ، من أغنيته عن السؤال منك . [ أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك . . . الخ ] أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك ، وأنت الذي أزلت الأغيار من قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك ، أنت المؤنس لهم حيث اوحشتهم العوالم . سبب إيحاش العوالم لهم ما هي عليه من الفاقة ، والافتقار ، والحاجة والاضطرار فكلّ واحد منها جالب لنفسه ، طالب لحظّه من كمال نقصه ، ووفاء بخسه ، واللّه تعالى غنيّ حميد ، عزيز مجيد ، وهو مع ذلك لطيف بعباده ، عطوف عليهم ، متودّد إليهم ، رؤوف بهم ، فلمّا شاهدوا هذا كله مشاهدة يقين ومعاينة باشهاده إيّاهم لم يتمالكوا أن أحبّوه ، وآووا إليه ، وقصروا هممهم عليه ، وجعلوه معتمد أنسهم . واستغنوا به عن أبناء جنسهم ، فحصلوا إذ ذاك على غاية النعيم ، وفازوا بالحظ العظيم ، قال ذو النون المصري ، رضي اللّه عنه : « بينما أنا أسير في بعض البوادي إذ لقيتني امرأة ، فقالت لي : من أنت ؟ فقلت : رجل غريب . فقالت : وهل توجد مع اللّه أحزان الغربة » . وكتب « مطرف بن عبد اللّه بن الشخير » « 1 » إلى عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه تعالى
--> ( 1 ) مطرف بن عبد اللّه بن الشخير الحرشي العامري ( توفي 87 ه - 706 م ) أبو عبد اللّه ، زاهد من كبار -