محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

30

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فضول الشهوة » . وقال بعض الأدباء : « من كثرت لحظاته دامت حسراته » . وقالوا : « إن العين سبب الحين ، ومن أرسل طرفه « 1 » اقتنص حتفه « 2 » ، وإن النظر إلى الأشياء بالبصر يوجب تفرقة القلب ، وقد أنشدوا في هذا المعنى : وإنك إن أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر * عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر وبذلك ينقطع طمعه عن الناس ويحصل له منهم الإياس ، وذلك من أعظم فوائد العزلة عند العقلاء الأكياس ، ولا تتم له منفعة العزلة إلّا باشتغال القلب بالفكرة ، وهي المقصودة هاهنا ، وكانت العزلة مقدمة لها ، ومعينة عليها ، وذلك بعد تقديم ما يحتاج إليه من علوم الشرع الظاهرة ، والقيام بمراعاة آدابه الباطنة . وقد ذكر منها الشيخ أبو حامد الغزالي جملة شافية في كتاب « العزلة من الإحياء » فلينظر هناك . وقد جاء في الخبر : « تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » « 3 » وكذا هو ، واللّه أعلم . وكان عيسى بن مريم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول : « طوبى « 4 » لمن كان قوله ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة ، إنّ أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » « 5 » .

--> - صمم ، وتفقه وروى الحديث ، واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا ، واستكتبه أنس بن مالك بفارس ، وكان أبوه مولى لأنس . ينسب له كتاب « تعبير الرؤيا » . ( الأعلام 6 / 154 ، وحلية الأولياء 2 / 263 ، ووفيات الأعيان 4 / 181 - 183 ، وتهذيب الكمال 16 / 345 ) . ( 1 ) الطرف : العين . ( 2 ) الحتف : الموت . ( 3 ) حديث « تفكر ساعة خير من عبادة سنة » . أخرجه القرطبي في ( تفسيره 4 / 314 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 161 ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 409 ) ، وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 162 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 370 ) ، والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 251 ) ، والفتني في ( تذكرة الموضوعات 188 ) . ( 4 ) الطوبى : الحسنى ، والخير ، وكل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء ، وعز بلا زوال ، وغنى بلا فقر . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( قيامة ، 25 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 31 ) ، وأحمد بن حنبل 4 / 124 .