محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

31

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال كعب الأحبار : « من أراد شرف الآخرة فليكثر التفكّر » . وقيل لأم الدرداء : « ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت التفكّر » وذلك لأنه يصل به إلى معرفة حقائق الأشياء وتبين الحق من الباطل ، والنافع من الضارّ ، ويطّلع به أيضا على خفايا آفات النفس ومكايد العدوّ وغرور الدنيا ويتعرّف به وجوه الحيل في التحرز عنها والطهارة منها . قال الحسن البصري « 1 » رضي اللّه عنه : « الفكر مرآة تريك حسنك من قبيحك ، ويطلع بها [ الإنسان ] أيضا على عظمة اللّه تعالى وجلاله إذا تفكّر في آياته ومصنوعاته ، ويطلع بها أيضا على آلائه الجليّة والخفية ، فيستفيد بذلك أحوالا سنية ، يزول بها مرض قلبه ، ويستقيم بسببها على طاعة ربه » . قلت : والعزلة التي ذكرها المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، تتضمن وجود الخلوة ، وهي أحد الأركان الأربعة التي هي أساس المريدين ، ويلزم عنها من الثلاثة الباقية الصمت ، إذ لا يتأتى من أكثر الناس إلّا بالخلوة والعزلة . فإن أضاف إليها المريد الركنين الباقيين ، وهما : الجوع ، والسهر ، فقد حصل على كلية الدواء ، والتحق بزمرة الأولياء والبدلاء . قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال ، وبها صار الأبدال أبدالا : إخماص البطون والصمت ، والخلوة ، والسهر » ، وقال الشاعر وجمعها في نظمه : يا من يروم منازل الأبدال * من غير قصد منه للأعمال لا تطمعن فيها فلست من أهلها * إن لم تزاحمهم على الأحوال بيت الولاية قسّمت أركانه * ساداتنا فيه من الأبدال ما بين صمت واعتزال دائم * والجوع والسهر النزيه الغالي كيف يشرق قلب صورة الأكوان منطبعة في مرآته . أم كيف يرحل إلى اللّه ، وهو مكبل بشهواته . أم كيف يطمع أن يدخل حضرة اللّه وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ؟

--> ( 1 ) هو الحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد ( 21 - 110 ه - 642 - 728 م ) إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه وهو أحد العلماء الفصحاء الشجعان النساك . ولد بالمدينة وشب في كنف علي بن أبي طالب واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية له كتاب « فضائل مكة » ، توفي بالبصرة . ( الأعلام 2 / 226 ، ووفيات الأعيان 2 / 69 - 73 ) .