محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
345
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إلهي ، قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرف إليّ في كلّ شيء حتى لا أجهلك في شيء . كأنّ المؤلف رحمه اللّه تعالى يقول : اختلاف الآثار عليّ ، وتنقلات الأطوار بي ، من : الصحة ، والمرض ، والغنى ، والفقر ، والعزّ ، والذلّ ، والقبض ، والبسط ، والطاعة ، والعصيان ، والفقد ، والوجد ، وغير ذلك من مختلفات أحوالي التي هي من شؤونك التي تنزلها بي علمت منها أنّ إرادتك بي أن تتعرّف إليّ في كل شيء تعرفا خاصا ، في حالة خاصة ، حتى أشاهد وحدانيتك ، وعظمتك ، وجمالك ، وكمالك وجلالك ، بحيث لا يتصوّر منّي جهل بما أنا فيه قابل لمعرفته من جميع ذلك ، ولو كان الأمر على خلاف هذا وألزمتني حالة واحدة ارتضيها لنفسي ، وأختارها ، لكانت معرفتي ناقصة ، ومشاهدتي قاصرة ، فأنا الآن أتقلّب في جنّة معجّلة أتبوّأ منها حيث أشاء ، فقد استغرقني ما أنا فيه من عظيم النوال ، وشغلني ذلك عن الدعاء والسؤال . وطلب الكون على ما أرتضيه من الأحوال ، فلك الحمد على نعمك الباطنة ، والظاهرة ، والخفيّة والجليّة . قال بعضهم : « في الدنيا جنّة معجّلة من دخلها لم يشتق إلى جنّة الآخرة ، ولا إلى شيء ، ولم يستوحش من شيء ، قيل : وما هي ؟ قال : معرفة اللّه تعالى . وقال مالك بن دينار ؛ رضي اللّه تعالى عنه : « خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب الأشياء ! ! قيل : وما هو ؟ قال : المعرفة . ثم قال : إنّ عرفان ذا الجلال لعزّ * وضياء ، وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء * وعليهم من المحبّة نور فهنيئا لمن عرفك إلهي * هو واللّه دهره مسرور وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتعبّدين في مسجد ، وفي يد أحدهما رقعة فيها مكتوب : « إذا أحسنت كلّ شيء فلا تظنّ أنّك أحسنت شيئا حتى تعرف اللّه عز وجل » . وفي يد الآخر « كنت قبل أن أعرف اللّه عزّ وجلّ أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب » قال في « التنوير » بعد كلام ذكره . . ( وإنّما قلنا إن الحالة زائلة عنك لا محالة ؛ فإنّ مراده أن ينقلك في الأطوار ، ويخالف عليك الآثار ؛ ليتعرّف إليك في كلّ حالة خاصة بتعرّف خاص ، فإذا أردت أن يديمك على حالة واحدة فقد أردت أن يسلك بك غير الكمال ، فكأنه يقول لك : لا تطلب مني أن أقيمك في حالة واحدة . لأني لا أفعل ذلك معك ، أتريد أن تبقي ربوبيّتي معطّلة الآثار ، ولكن سلني أن أشعرك لطفي حيثما أردتك ، وحيثما أقمتك حتى تكون بي ، ولي ، قال اللّه سبحانه وتعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] . أي : يمنع ويعطي ، ويضع