محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

346

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ويعلي ، ويقبض ويبسط ، ويعزّ ويذلّ . . إلى غير ذلك من مختلف آثاره ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول لك : يا عبدي ، لا تأس على شيء ما دمت لك ، ولا تفرح بشيء وأنا لست لك ، فأنا المعوّض لك عمّا سواي وما سواي لا يغنيك عنّي ، ولا تكن ممن يعبدني بالعلل فتكون من عبيد الحروف ، بل أعبدني لي ، فإنّي بكمال الغنى موصوف ، وبدوام الأفضال معروف ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا [ الحج : 11 ] ، لأن الذي طلبه عزلناه عنه ، فما دام له ، وهو ما طلبنا حتى نكون له ، ومن عبده لما سواه فهو عبد ما سواه ، ومن عبده لأجل جوده ونعمائه فهو عبد جوده ونعمائه ، لأنّ من أحبّ شيئا فهو عبد ما أحبّه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش » « 1 » . فكن عبد اللّه في كل شيء ، عطاء ومنعا ، وعزّا وذلا ، وغنى وفقرا ، وقبضا وبسطا ، وفقدا ووجدا ، وشدّة ورجاء ، وفناء وبقاء ، إلى غير ذلك من مختلفات الآثار وتنقلات الأغيار » انتهى كلامه رحمه اللّه تعالى . وقد أحسن فيه غاية الإحسان كلّه ، فجزاه اللّه تعالى خيرا . إلهي كلما أخرسني لؤمي ، أنطقني كرمك ، وكلما آيستني أوصافي أطعمتني منتك . لؤم العبد ، ومخالفته ، وعصيانه يخرس لسانه عن السؤال والطلب . وكرم المولى ، وفضله ، وإحسانه ينطقه بذلك . وأوصاف العبد الذميمة التي اقتضتها طبيعته وجبلّته تؤيسه من حصول الاستقامة على طريق الحق ، ومنن اللّه تعالى التي شملت البرّ والفاجر تطعمه في ذلك . إلهي من كانت محاسنه مساوىء فكيف لا تكون مساويه مساوي . ومن كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي . هذا مثال ما تقدم ، من : أن الكمال المنسوب إلى العبد نقصان على التحقيق ، فما ظنك بنقصانه . إلهي : حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالا ، ولا لذي حال حالا . شهود هذا المعنى يوجب للعبد مقام الخوف والتحقّق فيه ، فإذا كان ذا قول سديد

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ، 70 ) ، ( رقاق ، 10 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 8 ) .