محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

344

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

مآل أمرها . والعبد لا مدخل له في ذلك فكيف ينسب إليه الترجمة ؟ ونسبة ذلك إلى اللّه تعالى دليل على إحاطة علمه بأحوال العبد ، فكيف يصح في حقه معنى الترجمة ؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك . الآمال الوافدة إلى اللّه تعالى لا يخيبها من قبل أنها فارّة إليه ، ومتعلقة به ، ومنقطعة عمّا سواه ، واللّه سبحانه وتعالى كريم جواد متفضّل ، منعم ، فليثق العبد بذلك ، وليكن على يقين منه ، وإن لم يسأل ولم يطلب . أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك . من تحقق بالمعرفة رأى أحواله كلّها حسنة ، لوجود قيامها باللّه ورجوع أمرها إليه . وهذه كلها أنواع من التعجب عجب بها المؤلف رحمه اللّه تعالى نفسه من نفسه فيما هو بصدده من سؤاله وطلبه بسبب ترقيه في المعرفة التي أوجبت له رؤية نقصه وتصوره في أحواله الأولى . إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي ، وما أرحمك بي مع قبيح فعلي . شهود العبد لهذا المعنى مزيد عظيم يوجب له الحياء والانكسار ، فيستحسن منه حينئذ الاعتراف بالنعم فقط . إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك . شهود المؤلف رحمه اللّه تعالى شدّة قرب اللّه تعالى منه لما رأى من بعد الأغيار عنه ، ودفعها له إليه ، كما سيأتي في قوله : ( قد دفعتني العوالم إليك ) وشهوده لبعده من اللّه عزّ وجلّ من حيث أقيم في الطلب له ، والطلب للشيء دليل على فقد الطالب له وبعده عنه . فالمشاهدة الأولى أوجبت له ملازمة باب مولاه ، وانقطاع طمعه عن كلّ ما سواه . والمشاهدة الثانية أوجبت له التلطّف في سؤاله « التقريب » والاستغناء عن طلب « القرب » . ومن دعاء سيّدي أبي العبّاس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه : « يا قريب ، أنت القريب وأنا البعيد ، قربك آيسني من غيرك وبعدي منك ردّني للطلب لك ، فكن لي بفضلك حتى تمحو طلبي بطلبك ، يا قويّ ، يا عزيز » . إلهي ما أرأفك بي ، فما الذي يحجبني عنك . الرأفة أشدّ من الرحمة ، ولمّا شاهد رأفة ربّه به غاب بهذا الشهود عن رؤية نفسه وصفتها ؛ فلذلك لم يظهر له سبب لوجود حجابه عنه .