محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
29
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وفي الخبر المرويّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أخوف ما أخاف على أمّتي ضعف اليقين » « 1 » . وضعف اليقين إنما يكون من رؤية أهل الغفلة ، ومخالطة أرباب البطالة والقسوة . قال أبو طالب المكي رضي اللّه عنه : « وأضرّ ما ابتلي العبد به وأدخله وأعمله في هلاكه ، وأشدّه لحجبه وإبعاده ، ضعف يقينه لما وعد من الغيب وتوعّد عليه بالشهادة ، وقوة اليقين أصل كلّ عمل صالح » . وقال بعض هذه الطائفة : قلت لبعض الأبدال « 2 » المنقطعين إلى اللّه : كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة . قلت : لا بدّ لي منهم ! ! قال : فلا تسمع كلامهم ، فإن كلامهم قسوة قلب . قلت : لا بدّ لي منهم ! ! قال : فلا تعاملهم ، فإنّ معاملتهم خسران ووحشة وحسرة . قلت : أنا بين أظهرهم ولا بدّ لي من معاملتهم ! ! قال : فلا تسكن إليهم ، فإنّ السكون إليهم هلكة . قلت : هذا لعلّه ! ! قال : يا هذا ، أتنظر إلى اللاعبين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتسكن إلى الهالكين ، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع غير اللّه عزّ وجلّ . . هيهات هذا لا يكون أبدا . . وبالعزلة أيضا ينكفّ بصره عن النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها ، وينصرف خاطره عن الاستحسان إلى ما ذمّه اللّه تعالى من زخرفها ، فتمتنع بذلك النفس عن التطلّع إليها والاستشراف لها ومنافسة أهلها فيها ، قال اللّه تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ . . [ طه : 131 ] . ولا ينبغي لأحد أن يستحقر هذا ؛ فإنه يؤدي إلى أمراض عظيمة في القلب ، ومن اعتزل الناس سلم بإذن اللّه تعالى منها . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : « فأرباب المجاهدات إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الرديئة لم ينظروا إلى المستحسنات ، قال : وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضيات » انتهى . وقال محمد بن سيرين « 3 » رضي اللّه عنه : « إيّاك وفضول النظر ، فإنه يؤدي إلى
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( حدود ، 24 ) ، ( فتن ، 59 ) ( زهد ، 21 ) ، وابن ماجة ( حدود ، 12 ) ، ( زهد ، 21 ) ، وأحمد بن حنبل 1 ، 22 ، 44 ، 3 ، 7 ، 30 ، 382 ، 4 ، 126 ، 5 ، 428 ، 429 . ( 2 ) الأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم ، فإذا مات واحد أبدل اللّه تعالى مكانه آخر . ( 3 ) محمد بن سيرين البصري ، الأنصاري بالولاء ( 33 - 110 ه - 653 - 729 م ) أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة ، تابعي من أشراف الكتّاب ، مولده ووفاته في البصرة نشأ بزازا في أذنه -