محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
336
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فلم ينقطع عنه حديث النفس ولا وسواس العدو فيحتاج لا محالة إلى مجاهدة ومدافعة ، فيتشوش نعيمه ، وتتكدر لذته ، فيضعف معنى قرة العين في حقه قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه تعالى عنه : « وقرة العين لا تكون لمجاهد ، ولا لمن يدفع الشيطان عنه ، بل هي لمن استراح من المجاهدة والدفع » . ولما كانت منزلة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم عند ربه ، عز وجل ، أشرف المنازل ، ومرتبته في المعرفة به أرفع الرتب بحيث لا يتصور أن يشاركه في ذلك غيره أو يحل به سواه كانت قرة عينه في صلاته على حسب ذلك ، فمن قال إن ذلك خاص به لانفراده بالمرتبة العليا والخاصية الكبرى فقوله صحيح ، وعليه يدل ظاهر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » بعد قوله : « إنما حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء » « 2 » ولا شك أن حبه لهذين الأمرين ليس على قياس حب غيره لهما ، وإنما ذلك لوجود الخاصية التي اقتضت منه ذلك ، ألا ترى أنه أبيح له ما لم يبح لغيره من عدد الحرائر ، وأمن لأجل ذلك من وقوع مفسدة التباغض والتشاجر بسبب اجتماع الضرائر ، واستعماله صلى اللّه عليه وسلم الطيب وحبّه له إنما هو للقائه الملائكة التي تناجيه ، وإلا فهو في ذاته غنى عن الطيب واستعماله ، كما قال أنس بن مالك رضي اللّه عنه : « ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كفّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 3 » . فإذا كانت حاله في هذين الأمرين على ما ذكرناه مع أنه لم يذكر فيهما سوى لفظ « الحب » وهما من لذات الدنيا فكيف يكون حاله في الأمر الثالث مع أنه عبر فيه بقرة العين وهي غاية المحبة ، وهو من أعمال الآخرة . وقيل معنى قوله « من الدنيا » أي : « في الدنيا » ومن قال إن لغيره منه شربا ونصيبا على المعنى الذي يليق بهذا الغير فلقوله وجه ، وجواب المؤلف رحمه اللّه تعالى محتمل لهذين الوجهين . واللّه أعلم بما أراد منهم أو من غيرهما . فصل [ الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : . . . . الخ ] وقال المؤلف ، رضي اللّه تعالى عنه فيما كتب لبعض إخوانه الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : فرح بالمنن لا من حيث مهديها ومنشئها ولكن بوجود متعته فيها فهذا من الغافلين ،
--> ( 1 ) مرّ ذكره . ( 2 ) أخرجه النسائي ( عشرة النساء ، 1 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 ، 128 ، 199 ، 285 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( صوم ، 53 ) ، ( مناقب ، 23 ) ، ومسلم ( فضائل ، 82 ) ، والدارمي ( مقدمة ، 10 ) .