محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
337
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يصدق عليه قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [ الأنعام : 44 ] . وفرح بالمنن من حيث إنه شهدها منة ممن أرسلها ونعمة ممن أوصلها يصدق عليه قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] . وفرح باللّه ما شغله من المنن ظاهر متعتها ولا باطن منتها ؛ بل شغله النظر إلى اللّه عما سواه والجمع عليه فلا يشهد إلا إياه يصدق عليه قوله تعالى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام 91 ] . تضمن هذا الفصل بيان ما يحمد من أحوال الناس ، وما يذم عند ورود النعم عليهم وحصول الفرح إذ ذاك لهم وينبني عليه ما يكون من ذلك شكرا لها ، وما لا يكون . وقد قسمهم المؤلف ثلاثة أقسام ، وجعلهم طرفين وواسطة ، قسم في غاية الدناءة والخسة ، وهم الذين فرحوا بالنعم ، من حيث إنّ فيها قضاء أوطار نفوسهم ، ونيل أغراضهم ، والتمتع بشهواتهم ولذاتهم ، فأحوال هؤلاء مذمومة جدا أشبه شيء بهم الأنعام والبهائم . وهذه أحوال أهل الطرد والبعد والاستدراج والمكر حسبما أشار إليه في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه تعالى في هذا القسم . وهذا الأحوال بعيدة من الشكر منافية له . وقسم في غاية الشرف والجلالة ، وهم الذين فرحوا بالمنعم فقط ، ولم يلتفتوا إلى ظواهر النعم ، لأجل أنّ فيها متعتهم ولذاتهم ولا إلى بواطنها من كونها دلائل على عناية اللّه تعالى بهم ، حيث منّ بها عليهم ، فأحوال هؤلاء محمودة جدا ، لأنهم غابوا عن الأغيار العدمية ، وتحققوا بحقائق الوحدانية ، كما أشار إليه في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه تعالى في هذا القسم ، وحال هؤلاء هي الشكر الحقيقي الخالص الخالي من المزج والشوب ، لأنّ المشاهد للمنعم فإن عن حظوظ نفسه ، فهو يرى الأشياء كلها نعما ، فلا تفرقة عنده بين وجود ولا عدم ولا عطاء ولا منع ولا يخاف عليه من التغير والانقلاب لتغير الأفعال والأسباب ما يخاف على غيره لبقاء حظه ، قال أبو محمد الجريري ، رضي اللّه تعالى عنه : « من رأى النعم ولم ير المنعم فقد حجب عن الشكر ، ومن رأى المنعم بغيبة النعم فقد شكر » . وقال الشيخ أبو محمد عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه تعالى عنه : « كل من لم يشاهد المنعم في النعمة كانت النعمة في حقه استدراجا » لأنه يؤديه إلى أن يسكن إليها فإذا نزعت منه لزمه أن يتغير عليها » .