محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

28

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

أراجيف « 1 » البلدان ، وما اشتملت عليه من الأحوال التي ذكرناها ، وليحرص على أن لا يغشاه في خلوته وعزلته من شأنه التطلع لذلك والبحث عنه ، وليتجنب صحبة من لا يتورّع في منطقه ولا يضبط لسانه عن الاسترسال في دقائق الغيبة والوقيعة والتعريض بالطعن على الناس ، والقدح فيهم ؛ فإن ذلك مما يكدّر صفاء القلب ، ويؤدي إلى ارتكاب مساخط الربّ ، فليهجره المعتزل وليفر منه فراره من الأسد ، ولا يجتمع معه في مكان ألبتّة ، وليتنكّر إلى كلّ من يتعرف له ممن هذا شأنه من المنسوبين إلى الدين ، فضلا عن غيرهم ، كما قال بعضهم : « أنكر من تعرف ولا تتعرّف إلى من لا تعرف » . وفي الخبر : « مثل الجليس السوء كمثل الكير « 2 » إن لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه » « 3 » . وفي الأخبار السالفة أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : « يا ابن عمران كن يقظانا ، وارتد لنفسك إخوانا ، وكلّ أخ أو صاحب لا يؤازرك على مبرّتي فهو لك عدوّ » . وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام فقال له : « يا داود مالي أراك منتبذا وحدانيا ؟ فقال : إلهي ، قليت « 4 » الخلق من أجلك . فقال : يا داود كن يقظانا وارتد لنفسك أخدانا ، وكلّ خدن « 5 » لا يوافقك على مبرّتي فلا تصحبه فإنّه لك عدو ، ويقسى قلبك ويباعدك منّي » . وما أحسن قول أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الأكبيريّ في هذا المعنى : فخف أبناء جنسك واخش منهم * كما تخشى الضراغم والسّبنتا « 6 » وخالطهم وزايلهم حذارا * وكن كالسامريّ إذا لمستا وبالعزلة أيضا يجتمع همّه ، ويقوى في ذات اللّه عزمه ، بخلاف الخلطة ؛ فإنها تفرّق الهم ، وتضعف العزم ، وقد قيل : « إن العبد ليعقد في خلوته على خصال من الخير يعملها ، فإذا خرج إلى الناس حلّوا عليه ذلك عقدة عقدة حتى يرجع إلى بيته وقد انحلت العقد كلّها » . وروى عن عيسى عليه السلام : « لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم . قيل : ومن الموتى ؟ قال : المحبّون للدنيا الراغبون فيها » .

--> ( 1 ) الأراجيف : ( ج ) الإرجاف : وهو الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب . ( 2 ) الكير : جهاز من جلد أو نحوه يستخدمه الحداد وغيره للنفخ في النار لإشعالها ( ج ) أكيار وكيرة . ( 3 ) أخرجه المنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 348 ) . ( 4 ) قليت : أبغضت وكرهت . ( 5 ) الخدن : الصديق الذي يكون معك ظاهرا وباطنا في كل أمر ( ج ) أخدان . ( 6 ) الضراغم : الأسود الضارية الشديدة . السبنتا : النّمر ويشبه أن يكون سمي به لجرأته ، وقيل : السبنتى : الأسد .