محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

330

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

والشافعي أو غيرهما من العلماء الراسخين ، فاحكم إذن على أصل صحيح . وإن تكن الظلمة شبه غيّم لا يتصدّع معه القلب ، ولا يتفزّع به الذهن فتباعد عنه ؛ فإنه يكاد يكون مكروها ، ولا تحكم بعقلك ورأيك ؛ فقد ضلّ من هاهنا خلق كثير ، ولا تفت أحدا إن استفتاك ، وأعط الورع حقّه : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] ، فإن تأدّبت هاهنا فعن قريب تأتيك البيّنة من ربّك والشاهد يتلوها منه » . انتهى كلام سيدي أبي الحسن ، وهو مناسب لما ذكره المؤلف ، إلا أنّ ما فيه من التفصيل لم يتعرض له المؤلف ، بل بقي الأمر في ذلك مجملا ، كما تراه ، وتقديره : « فإذا نزلوا إلى الحقوق واستعملوا فيها لم ينزلوا إليها بسوء أدب ولا غفلة ، وهو أن لا يشهدوا قيامهم بها من أنفسهم ، أو يطلبوا ثوابا عليها من ربّهم ، وإن نزلوا إلى الحظوظ لم ينزلوا إليها بشهوة غالبة قاهرة لهم ، ولا منفعة يقصدون إلى نيلها في دنياهم ، بل دخلوا في ذلك باللّه مستعينين ، وللّه عابدين ، ومن اللّه آخذين ، وإلى اللّه متوسّلين ، قد توّلى اللّه تعالى إدخالهم في الأشياء وإخراجهم منها ، وأوجدهم ذلك ، وعزل عنهم ملكية نفوسهم لهم ، وصاروا أحرارا كراما . وقل ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني ، واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني . المدخل ، والمخرج : الإدخال والإخراج ، وقد عبّر بهاتين العبارتين عن السفرين المذكورين ؛ فالمدخل : هو سفر الترقّي ؛ لأنه دخول على اللّه عزّ وجلّ في حالة فنائه عن رؤية غيره . والمخرج : هو سفر التدلي ؛ لأنه خروج إلى الخليفة لفائدتي الإرشاد والهداية في حالة بقائه بربّه ، وتحققه في هذين المقامين ، أعني : مقام الفناء والبقاء هو معنى « صدقية » مدخله ومخرجه . وإنما طلب هذا ليحصل له به ذهابه عن رؤية نفسه في النسبة والوقوف مع الحظ ؛ ففي المدخل يشاهد حول اللّه تعالى وقوّته ، فينتفي عنه بذلك النسبة إلى نفسه ، وفي المخرج يستسلم لربّه وينقاد إليه فينتفي عنه بذلك مراعاة حظّه . واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ينصرني ، وينصر بي ، ولا ينصر عليّ ، ينصرني على شهود نفسي ، ويغنيني عن دائرة حسي . طلب من اللّه تعالى النصرة له ليستقيم أمره . وطلب منه النصرة به ليكمل حاله ، فالنصرة له هي ملاك أرباب البدايات من السالكين ؛ إذ بذلك يتيسر عليهم قطع عقبات النفس ، ومحو دواعي الهوى والحسّ .