محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

329

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

إذ ذاك أوصاف معروفة كرأي العين ، ويكون سرّه مع اللّه تعالى بلا أين ، فلما وصل إلى هذه الحضرة العلية ، ونال هذه المنقبة السنية ، قوبل بأنواع من الكرامات والألطاف ، وفنون من تحف السادات والأشراف ، وهي معاني هذه الألطاف الستة التي ذكرها المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، ولا تعرف إلا بالذوق ، وكذلك التفرقة بين معانيها . فحينئذ ألقى السائرون عصا سيرهم ، وحمدوا عاقبة أمرهم ، وصارت حضرة محبوبهم معشّش قلوبهم ، ومستوطنهم في ذهابهم وإيابهم ، إلى ظلّها يأوون إذا صلي غيرهم بنيران هواه ، وفي دار المقامة يسكنون حين يزعج سواهم عن متعة دنياه ، وهاهنا حصل لهم التحقق بمقام الفناء والمحو ، وهذا هو انتهاء سفرهم بمعنى الصعود والترقّي . فإذا نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين ، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، ولا إلى الحظوظ بالشهوة والمتعة ، بل دخلوا في ذلك باللّه ، وللّه ، ومن اللّه ، وإلى اللّه . هذا هو سفر التدلّي والنزول ، وبه يتحققون بمقام البقاء والصحو ، فإذا نزلوا من سدرة منتهاهم « 1 » إلى سماء الحقوق ، وهي حقوق اللّه عليهم مما أمرهم به أو نهاهم عنه ، ليقوموا بذلك فعلا أو تركا ، أو إلى أرض الحظوظ ، وهي : حظوظ نفوسهم التي تلابسهم ، ويحصل لهم الارتفاع بها ، فإنما يكون نزولهم إلى ذلك بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين . ومعنى ذلك : أن يدخلوا في الأشياء بمراد اللّه تعالى ، لا بمراد أنفسهم ، ويجدون الإذن من اللّه تعالى لهم بما يشرق في قلوبهم من النور الذي يجعله اللّه علما على ذلك . وقد ذكره سيدي أبو الحسن في بعض كلامه ، قال رضي اللّه عنه : « ومعنى الإذن للوليّ : نور ينبسط على القلب يخلقه اللّه فيه وعليه ، فيمتدّ ذلك النور على الشيء الذي يريده فيدركه نور مع نور ، أو ظلمة تحت ذلك النور ينبئك أن تأخذ إن شئت ، أو تترك ، أو تختار ، أو تدبر ، أو تعطى ، أو تمنع ، أو تقوم ، أو تجلس ، أو تسافر ، أو تقيم ، هذا باب المباح المأذون فيه بالتخيير ، فإذا قارنه القول تأكّد الفعل المباح بمراد اللّه تعالى ؛ فإن قارنته نيّة صحيحة لفعل برّ زال عنه حكم المباح وصار مندوبا . وإن ظهرت الظلمة تحت النور الممتد من القلب ، فلا يخلو أن يلوح عليه لائح الغضب بانقباض القلب ، فاحذر ذلك وتجنبه ؛ فإنه المحظور أو يكاد ، ولا تقطع بذلك إلا ببينة من كتاب اللّه تعالى ، أو سنّة أو إجماع ، أو خلاف لمقلّد قلّدته ، كمالك

--> ( 1 ) سدرة المنتهى : شجرة في الجنة .