محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
27
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
« أذربيجان « 1 » » زمن عمر بن الخطاب « 2 » رضي اللّه عنه ومعنا « أويس القرني » رضي اللّه عنه ، فلما رجعنا مرض ، فمات فنزلنا ، فإذا قبر محفور ، وماء مسكوب ، وكفن وحنوط « 3 » ، فغسلناه وكفنّاه ، وصلينا عليه ودفنّاه ، فقال بعضنا لبعض : لو رجعنا فعلّمنا قبره ، فرجعنا فإذا لا قبر ولا أثر . قلت : والحكايات والآثار في مدح الخمول وذم الاشتهار أكثر من أن يأتي عليها انحصار . وقد أورد كثيرا منها الأئمة المصنفون في هذا العلم ، فليطالع ذلك المريد مستمدا من اللّه تعالى حسن التوفيق والتأييد . وتعبير المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، هاهنا بالدفن والأرض والنبات والنتاج من ملح الاستعارات . ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة . مداواة أمراض القلب واجبة على المريد ، وأمراضه إنما تكون من غلبة أحكام الطبع عليه من صحبته للأضداد ، ووقوفه مع المعتاد ، وانقياده إلى هوى النفس ، وأنسه بعالم الحسّ . ومداواة هذا المرض تأتي من وجوه كثيرة ، وأبلغها في ذلك وأنفعها : العزلة عن الناس المصحوبة بالفكرة ، فالبعزلة يتقيّد الظاهر عن مخالطة من لا تصلح مخالطته ، ومن لا يأمن من دخول الآفات عليه بصحبته ، فيتخلّص بذلك المعتزل من المعاصي التي يتعرض لها بالمخالطة ، مثل : الغيبة ، والمداهنة ، والرياء ، والتصنّع ، ويتحصّل له بذلك السلامة من مسارقة الطباع الرديئة ، والأخلاق الدنيئة ، ويستفيد بذلك أيضا صيانة دينه ونفسه عن التعرّض للخصومات وأنواع الشرور والفتن ؛ فإن للنفس تولّعا وتسارعا إلى الخوض في مثل هذا . فواجب على المعتزل أن يكفّ لسانه عن السؤال عن أخبار الناس ، وما هم مشغولون به ، ومنهمكون فيه ، ومنكبّون عليه ، ويصون سمعه عن الإصغاء إلى
--> ( 1 ) أذربيجان : حدها من برذعة مشرقا إلى أرزنجان مغربا ، ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجيل والطرم ، وهو إقليم واسع . ( معجم البلدان 1 / 128 ) . ( 2 ) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ( 40 ق ه - 23 ه - 584 - 644 م ) أبو حفص ثاني الخلفاء الراشدين ، صحابي جليل ، صاحب فتوحات ، عادل ، بطل ، أسلم قبل الهجرة وشهد الوقائع . قتله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غيلة . ( الأعلام 5 / 45 ، وحيلة الأولياء 1 / 38 ) . ( 3 ) الحنوط : كل طيب يخلط للميت .