محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

319

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

واحد ؛ فإن مراد السالكين شهود الأشياء للّه . ومراد المجذوبين شهود الأشياء باللّه ، فالسالكون عاملون على طريق الفناء والمحو ، والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو . ولما كان شأن الفريقين النزول في تلك المنازل المذكورة لزم التقاؤهما في طريق سفرهما : السالك مترقّ ، والمجذوب متدلّ . لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت ، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك . أنوار القلوب والأسرار المشرقة عليها من سماء التوحيد والمعرفة ، لا يعرف قدرها إلا في غيب الملكوت وهو : عالم الآخرة . وهناك يحصل لهم تمام هذه الأنوار ، فمن آمن بالغيب كان له ذلك الحظّ الأوفر ، كما أن أنوار السماء المشرقة على ظواهر الأجرام لا تظهر إلا في شهادة الملك ، وعالم الدنيا ؛ وذلك لحصول المناسبة بين هذه الأشياء . وجدان ثمرات الطاعات بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلا . ما يجده العاملون بطاعة اللّه تعالى في أعمالهم عاجلا من مزيد الإيمان واليقين وتنسّم روح الأنس ، ولذيذ القرب ولطيف الوصل بشائر من اللّه تعالى عاجلة بوجود الجزاء عليها في الدار الآخرة ؛ لأنها مقبولة عند اللّه تعالى . وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : ( من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول ) . كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك ، أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك . العمل الذي يصحّ طلب العوض والجزاء عليه هو : ما عملته لينتفع به غيرك ولم يحصل لك بذلك منفعة ، ولم يندفع عنك بسببه مضرّة . والأعمال الدينية المطلوبة منك ظاهرا وباطنا بخلاف هذا كله ؛ إذ هي مسلوبة عنك منسوبة إلى ربك خلقها واختراعها ، عائد ثمرة ذلك ومنفعته عليك في ظاهرك وباطنك ، وهو غنيّ عنك وعنها ، ولذلك عبّر عنها بالتصدق والإهداء تنبيها على أن ذلك لم يكن إلا لمنفعتك . فطلب العوض والجزاء إذن - على عمل هذا صفته - في غاية القبح ، ولذلك صدّر المؤلف رضي اللّه تعالى عنه كلامه ب « كيف » ؛ ليعجّبك من ذلك الوصف . قال الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه : « مطالبة الأعواض على الطاعات من نسيان الفضل » . وسئل أبو العباس بن عطاء اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن أقرب شيء إلى مقت اللّه تعالى ، فقال : « رؤية النفس وأفعالها ، وأشدّ من ذلك مطالبة الأعواض على أفعالها » .