محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

320

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

واستعمال المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، لفظ « الصدقة » في الأعمال الظاهرة ، ولفظ « الهدية » في الصدق وعليه مدار الأعمال الباطنة إشعار بتباينهما في الشرف ، كتباين الهدية والصدقة . قوم تسبق أنوارهم أذكارهم ، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم ، وقوم لا أذكار ولا أنوار . ذاكر ذكر ليستنير قلبه فكان ذاكرا ، . وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا . والذي استوت أذكاره وأنواره فبذكره يهتدى وبنوره يقتدى . سبقية الأذكار للأنوار هو حال المريدين السالكين ، وذلك ؛ لأن شأنهم المجاهدة والمكابدة ، فهم يأتون بالأذكار في حال تكلّف منهم وتعمّل ، ليحصل لهم بذلك زوائد الأنوار وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . وسبقية الأنوار للأذكار هو حال المريدين المجذوبين ؛ لأنهم مقامون في السهولة والخفة ، فهم لمّا وجّهوا بالأنوار حصلت منهم الأذكار بلا تكلف ولا تعمّل ، قال في « لطائف المنن » حاكيا عن شيخه أبي العباس المرسي : « . . وقال رضي اللّه تعالى عنه : الناس على قسمين : قوم وصلوا بكرامة اللّه تعالى إلى طاعة اللّه ، وقوم وصلوا بطاعة اللّه إلى كرامة اللّه ، قال اللّه سبحانه وتعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشورى : 13 ] . قال : ومعنى كلام الشيخ هذا : أن من الناس من حرّك اللّه همّته لطلب الوصول إليه فسار يطوي مهامه « 1 » نفسه وبيداء « 2 » طبعه ، إلى أن وصل إلى حضرة ربّه ، يصدق على هذا قوله سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . ومن الناس من فاجأته عناية اللّه من غير طلب ولا استعداد ، ويشهد لذلك قوله تعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 74 ] ، فالأول حال السالكين ، والثاني حال المجذوبين ، فمن كان مبدؤه المعاملة فنهايته المواصلة ، ومن كان مبدؤه المواصلة ردّ إلى وجود المعاملة ، ولا تظنّ أن المجذوب لا طريق له ، بل له طريق طوتها عناية اللّه تعالى ، فسلكها مسرعا إلى اللّه تعالى عاجلا ، وكثيرا ما تسمع عند مراجعة المنتسبين للطريق أن السالك أتمّ من المجذوب ؛ لأن السالك عرف طريقا بها توصّل إليه والمجذوب ليس كذلك ، وهذا بناء على أن المجذوب لا طريق له ، وليس الأمر كما

--> ( 1 ) المهمة : المفازة البعيدة ( ج ) مهامه . ( 2 ) البيداء : الفلاة .