محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
316
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فقلت : يا أبا إسحق لقد سمعت . . فقام ، فأخذ منها رمّانتين ، فأكل واحدة ، وناولني الأخرى ، فأكلتها . وفي غير هذا الحكاية أن الشجرة كانت قصيرة ، ورمانها حامض ، وأنها تطعم في كل عام مرّة ، فعلت ، وارتفعت وحلا رمّانها ، وصارت تطعم في كل عام مرتين » . وكانت السباع « 1 » تجيء إلى سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ، فيدخلهم بيتا عنده ، ويضيفهم ، ويطعمهم اللحم . وقال إبراهيم الخواص ، رضي اللّه تعالى عنه : « كنت في البادية مرّة ، فسرت في وسط النهار ، فوصلت إلى شجرة ، وبالقرب منها ماء فنزلت ، فإذا أنا بسبع عظيم قد أقبل ، فلما قرب منّي إذ هو يعرج ، فحمحم « 2 » ، وبرك بين يديّ ، ووضع يده في حجري ، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودمّ ، فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح ، ومسحته ، وشددت على يده خرقة فمضى ؛ فإذا أنا به بعد ساعة جاء ومعه شبلان يبصبصان « 3 » لي ، وحمل إليّ رغيفا » . وقال بعضهم : أشرفت على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان يحفظه ، وقد أخذه النوم ، وإذا حيّة في فمها طاقة نرجس تروّحه بها . وحكى عن ابن إسحاق الصعلوكي ، رحمه اللّه تعالى ، قال : خرجت مرّة إلى الحج ، فبينما أنا في البادية إذ تهت ، فلما جنّ الليل عليّ وكانت ليلة قمراء ، فسمعت صوت شخص ضعيف يقول : يا أبا إسحق . قد انتظرتك من الغداة فدنوت منه ، فإذا هو شاب نحيف قد أشرف على الموت وحوله رياحين كثيرة ، منها ما عرفته ، ومنها ما لم أعرفه ، فقلت : من أين أنت ؟ فقال : من مدينة « سميساط » « 4 » كنت في عز وثروة . فطالبتني نفسي بالعزلة ، فخرجت وقد أشرفت على الموت فسألت اللّه تعالى أن يقيّض لي وليا من أوليائه ، فأرجوا أنك هو . قال : فقلت له : ألك والدان ؟ قال : نعم ، وإخوة وأخوات . فقلت : هل اشتقت إليهم ، وإلى ذكرهم ؟ فقال لا ، إلا اليوم أردت أن أشمّ ريحهم فاحتوشتني السباع والبهائم وبكين معي وحملن إليّ هذه الرياحين ، قال : فبينما أنا في تلك الحالة يرقّ قلبي له إذا بحية أقبلت في فمها طاقة نرجس فقالت : دع شرّك عنه ؛
--> ( 1 ) السبع : كل ما له ناب ويغدو على الناس والدواب فيفترسها كالأسد والذئب والنمر . ( 2 ) حمحم : صوّت . ( 3 ) الشبل : ولد الأسد إذا أدرك الصيد . بصبص : حرّك ذنبه طمعا أو ملقا أو خوفا . ( 4 ) سميساط : مدينة على شاطىء الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات ، ولها قلعة في شق منها يسكنها الأرمن . ( معجم البلدان 3 / 258 ) .