محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

317

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فإن اللّه تعالى يغار على أوليائه . قال : فغشى عليّ فما أفقت حتى خرجت نفسه ، رحمة اللّه تعالى عليه ورضوانه ، ثم وقع عليّ سنات من النوم فانتبهت وأنا على الجادة قال : فدخلت مدينة « سميساط » بعدما حججت فاستقبلتني امرأة فما رأيت أشبه بالشاب منها ، فلما رأتني قالت : يا أبا إسحق كيف رأيت الشاب ؛ فإن أنتظرك منذ ثلاث . فذكرت لها القصة إلى أن قلت : قال أردت أن أشم ريحهم فصاحت ، وقالت : آه بلغ الشّمّ الشمّ . وخرجت نفسها ، فخرجت أتراب « 1 » لها عليهن المرقعات والفوط ، فتكفلن أمرها ، وتولين شأنها . رضي اللّه عنهم أجمعين » . فهكذا حال من يكون عظيم الهمة ، شريف الإرادة والنية ، لا يساكن أحدا من المخلوقات ، ولا يوطن نفسه على شيء من المصنوعات فيتكفل اللّه تعالى بأمره ، ويجعل الكون خادما له بأسره . رزقنا اللّه تعالى وإياكم ما رزقهم ، ووفقنا ، كما وفقهم ، بجوده وكرمه . لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ، إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك . وتارة يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك . فالنهار ليس منك إليك ، ولكنه وارد عليك . ثبوت الخصوصية للعبد لا يلزم منه عدم وصف البشرية ، لأن الوصف البشريّ أمر ذاتي ، لازم للعبد . والأمور الذاتية اللازمة يستحيل عدمها وانقلابها . وإنما اللازم من ذلك عدم غلبة أحكام ذلك الوصف على العبد فقط لأجل الوارد الغالب فإن قدّر ذهاب هذا الوارد الغالب بقي وصف البشرية غالبا قاهرا ، وكان العبد في يديه أسيرا . ومثال ذلك من المحسوسات إشراق شمس النهار على الآفاق المظلمة لتزيل آثار ظلمانيتها ، فتستنير بذلك وتشرق ، فإذا غابت الشمس رجعت إلى حالها من الظلمة ؛ لأن النور ليس بذاتي لها ، وهو معنى قوله ( وليست منه ) ومعنى الخصوصية المذكورة هو : ما يخصّ الحق تعالى به أولياءه من ظهور أوصافه العلية ، ونعوته القدسية عليهم ؛ ليغطي بذلك أوصاف نفوسهم الدنيئة الرديئة عنهم ؛ لئلا تظره آثار كدوراتها في صفاء أوقاتهم ، كما تقدم من قوله : ( إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه ، وغطى نعتك بنعته ؛ فإذا أشرقت أنوار ذلك الوارد على ليل وجودهم ذهبت بظلمات نفوسهم ، وبقوا في نهار الوصلة والقربة ، من غير حول منهم ولا قوّة ) وهو معنى قوله ( فالنهار ليس منك إليك ) وإن غابت عنهم تلك الأنوار المشرقة رجعوا إلى أصلهم ولزموا الوقوف على حدّهم ، وكانوا في ليل القطيعة والحجبة كما كانوا قبل ذلك .

--> ( 1 ) التّرب : المماثل في السن ذكرا كان أو أنثى ( ج ) أتراب .