محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

304

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقيل : النعمة العظمى الخروج عن النفس ؛ لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين اللّه تعالى . وقال سيدي أبو مدين ، رضي اللّه تعالى عنه : « من لم يمت لم ير الحق » . وقال سيدي أبو العباس ، رضي اللّه عنه : « لا يدخل على اللّه إلا من بابين : من باب الفناء الأكبر ، وهو الموت الطبيعي ، ومن باب الفناء الذي تعنيه هذه الطائفة » . وعن حاتم الأصمّ « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت : موت أحمر ، وموت أسود ، وموت أبيض ، وموت أخضر ، فالموت الأبيض الجوع ، والموت الأسود احتمال أذى الناس ، والموت الأحمر مخالفة النفس ، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض . وقال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « للنفس سرّ ما ظهر ذلك السرّ على أحد من خلقه إلا على فرعون فقال : أنا ربّكم الأعلى ، ولها سبعة حجب سماوية ، وسبعة حجب أرضية ، فكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء ، فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ، يعني : إذا خالفتها وفارقتها . وسبيل المريد إلى الوصول إلى موت النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء والرغبة إلى مولاه في أن يعينه ويقوّيه على أمر نفسه ، ويسهل عليه طريق سلوكه ، ويستعمل هذا في كل حال ووقت ، وليجعله عمدته فيما هو بسبيله . وقد تقدم من كلام المؤلف ، رحمه اللّه ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ) . وقال بعض العارفين : لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وإنما يكون الخروج من النفس باللّه ، ثم يشتغل بمراعاة حدود الشريعة والطريقة في ظاهره وباطنه ، والتزام آدابهما . ولكل عبد عمل مخصوص يقتضى لا محالة حكما مخصوصا يقوم بحقّه ، وذلك مختلف باختلاف أحوال الناس ، فحركات العبد وسكناته هي أعماله الظاهرة ومقصوده ، وهمه وإرادته هي أعماله الباطنة . وكل واحد من القسمين ينبغي أن يأخذ فيه بعزائم الأمور ويجتنب الرخص التي هي من شأن العامة والجمهور ، حسبما تقدم عند قوله « من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه » .

--> ( 1 ) حاتم بن عنوان ( توفي سنة 237 ه - 851 م ) أبو عبد الرحمن المعروف بالأصم ، زاهد ، اشتهر بالورع والتقشف . له كلام مدون في الزهد والحكم ، من أهل بلخ ، زاد بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل وشهد بعض معارك الفتوح . مات بواشجرد . ( الأعلام 2 / 152 ، وتاريخ بغداد 8 / 241 .