محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

305

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فعمل الظاهر إن كان واجبا فليبادر إلى فعله ، ولا يتوان عنه ، وليقم بجميع آدابه اللازمة له . ويلتحق بذلك ما كان مندوبا إليه إذا علم في أي مرتبة هو . وإنما اشترطنا هذا الشرط ، لأن المندوبات التي تعترضه يحتاج فيها إلى تقديم الأولى فالأولى ، والأهم فالأهم منها ، فإن لم يعمل على هذا وقدم ما ليس بأهم كان متبعا للهوى ، لا لموجب العلم وليأخذ في ذلك بالقصد من غير إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير ، وفي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن اللّه تعالى لا يمل حتى تملوا وإن أفضل العمل أدومه وإن قل » « 1 » . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الدين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا » « 2 » . وإن كان حراما فليبادر إلى تركه واجتنابه ، وليقطع عن نفسه جميع أسبابه ويلتحق بذلك ما يكون مكروها . وإن كان مباحا فهذا هو محل نظر المريد ؛ فعليه أن يأخذ بالعزيمة فيه ، وليقف على حدود الضرورة منه ، وليكن اجتنابه لما يشتد ميل النفس إليه ، ويعظم حرصها عليه أكثر من اجتنابه لما فقد منه ذلك . ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص ؛ فربّ شخص تميل نفسه إلى ما لا تميل إليه نفس شخص آخر . فليشتغل المريد بقطع ذلك وزوال علاقته من قلبه بالرياضة والمجاهدة ، وليستمر على ذلك حتى يكون وقوفه على ما لا بدّ منه على وجه الطاعة والقربة ، لا على سبيل الهوى والشهوة . وفيما يشتدّ ميل نفوس أكثر الناس إليه ما يكون سبب تناوله واستعماله مراعاة نظر الخلق . والجرىء على عوائدهم السيئة ومراسمهم المذمومة . ومجاهدة النفس في مثل هذا عسيرة جدا ، لا سيما على من ابتلي بحبّ الجاه والرياسة وقبول الخلق في ولاية حكم ، أو نشر علم ، أو غير ذلك فإنها أشدّ الشهوات علاقة بالقلب وأضرّها بالمريد ؛ فيجب عليه أن يعتني بذلك ، ويبالغ في تطهير ظاهره وباطنه مما يتعاطاه من أعمال وأحوال . وقد نبهنا على هذا المعنى في أوّل الكتاب عند قول المؤلف رحمه اللّه تعالى : ( ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( إيمان ، 32 ) ، ( تهجد ، 18 ) ، ( صوم ، 52 ) ، ( لباس ، 43 ) ومسلم ( مسافرين 215 ، 221 ) ، ( صيام ، 177 ) ، وأبو داود ( تطوع ، 27 ) ، والنسائي ( قبلة ، 13 ) ، ( قيام الليل ، 17 ) ، ( إيمان ، 29 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 28 ) ، والموطأ ( صلاة الليل ، 4 ) ، وأحمد بن حنبل ( 6 ، 40 ، 51 ، 61 ، 84 ، 122 ، 189 ، 199 ، 212 ، 231 ، 233 ، 241 ، 244 ، 250 ، 268 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( إيمان ، 29 ) ، والنسائي ( إيمان ، 28 ) ، وأحمد بن حنبل ( 5 ، 69 ) .