محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
303
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى داود ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام : يا داود ، إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبي مع حب غيري » . ويحكى أن اللّه تعالى قال لموسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام : « نعم العبد « برخ » هو لي إلا أن فيه عيبا . قال : يا رب ، وما عيبه ؛ قال : يعجبه نسيم الأسحار ، فيسكن إليه ، ومن أحبّني لم يسكن إلى شيء » . ويروى أن عابدا عبد اللّه في غيضة « 1 » دهرا طويلا ، فنظر إلى طائر قد عشّش في شجرة يأوي إليها ، ويصفّر عندها ، فقال : لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت ذلك الطائر ! ! قال : ففعل ، فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان ، قال لفلان العابد استأنست بمخلوق ، لأحطنّك درجة لا تنالها مني بشيء من عملك أبدا . لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ؛ إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك . السير إلى اللّه تعالى هو قطع عقبات النفس ومحو آثارها ودواعيها ، وغلبة أحكام طبيعتها وجبلتها حتى تطهر من ذلك ، وتحصل لها أهلية القرب من اللّه تعالى ، وتصل إلى سعادة لقائه ، ولولا معاناة هذه الأشياء لم يتحقق السير والسلوك كيف ، والحق تعالى أقرب إلى العبد من نفسه ، فالبعد الحسي وهو المسافة التي تطويها رحلته ، والبعد المعنوي وهي القطيعة التي تمحوها وصلته محالان في حقه تعالى ، لنفي المثلية في الأول ، وعدم العندية في الثاني . هذه الألفاظ التي عبّر عنها المؤلف رحمه اللّه تعالى من : السير ، والميادين ، والرحلة ، والوصلة ، وفي معناها : السير ، والسلوك ، والذهاب والرجوع هي عبارات استعملتها الصوفية في أمور معنوية تجوزوا بها عن أمور حسيّة ، ومرجع جميع ذلك كله إلى علوم ومعاملات يتصف بها العبد لا غير . وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف هاهنا وما تقدم له ، ولنا ، غير ما مرّة ، من أن النفس هي الحجاب الأعظم للعبد عن اللّه تعالى ، وأن بمجاهدتها وقمعها ، وموتها ، تنال سعادة لقاء اللّه تعالى صحيح المعنى . قال بعضهم : ما الحياة إلا في الموت ، أي : ما حياة القلب إلّا في إماتة النفس .
--> ( 1 ) الغيضة : الموضع يجتمع فيه الماء ، فيبتلعه ، فينبت فيه الشجر .