محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

292

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وإذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل أنسه به وبذكره وتوكلّه عليه ، وصان سرّه عن النظر إليهم ، وظاهره عن الاعتماد عليهم » . وقد قالوا : « الزهّاد يخرجون المال عن الكيس تقرّبا إلى اللّه تعالى ، وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف من القلب تحققا للّه عزّ وجل » . قال في « لطائف المنن » : « . . . اعلم أن أولياء اللّه تعالى حكمهم في بداياتهم أن يسلّط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا ، وتكمل فيهم المزايا ، وكيلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك ومن رقّ إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه ؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له » كلّ ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق ، وليتعلق بالملك الحق ، قال : وقد قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : « اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرّهم ؛ فإن خيرهم يصيبك في قلبك ، وشرّهم يصيبك في بدنك ، ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ، ولعدو تصل به إلى اللّه خير لك من حبيب يقطعك عن اللّه ، وعدّ إقبالهم عليك ليلا وإعراضهم عنك نهارا ، ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا » قال : وتسليط الخلق على أولياء اللّه في مبدأ طرقهم سنة اللّه في أحبابه وأصفيائه ، قال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا ، فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا تصحبه لطائف رحمتك ، وكل وجد يحجب عنك فنسألك عوضه فقدا تصحبه أنوار معرفتك » قال : ومما يدل على أن ذلك سنة اللّه في أحبابه وأصفيائه قوله تعالى وَزُلْزِلُوا . . . الآية [ البقرة : 214 ] وقوله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . . . الآية [ يوسف : 110 ] وقوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا الآيتين [ القصص : 5 ] وقوله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا . . . [ الحج : 39 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى » انتهى . وكذلك من استحلى حالا أو ساكن مقاما فمن سنة اللّه تعالى مع أوليائه تشويش ذلك عليهم ، وهو من غيرته على قلوبهم لئلا تستأنس بغيره ، ولئلا تتقيد بسواه ، قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « ومن المقاطع المشكلة السكون إلى استحلاء ما يلاقيك به من فنون تقريبك ، وكأنه من خلال ما يناجيك يعاتبك ، فإنه بكل لطيفة يصفك ويطربك وتحتها خدع خافية ، ومن أدركته السعادة كاشفة بشهود جلاله وجماله ، لا بإثباته في لطيف أحواله ، وما يخصّه من إفضاله وإقباله وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدود عندهم من الشهوة الخفيّة » . ومن هذا المعنى ما ذكر عن سيدي أبي الحسن الشاذلي ، رضي اللّه عنه ، لما دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام في أول