محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

293

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ما لقيه وسأله عن حاله ، فقال له : أشكوا إلى اللّه من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حرّ التدبير والاختيار . فقال له الشيخ أبو الحسن : أما شكواي من حرّ التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه ، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلم أفهمه ؟ فقال : أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن اللّه سبحانه » وقال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه عنه : اللطف حجاب عن اللطيف « يعني : السكون إليه والوقوف عنده وشدة الفرح به ، وكذلك قال سرى السقطي ، رضي اللّه عنه : « لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق اللّه تعالى من الأشجار ، عليها من جميع ما خلق اللّه من الأطيار ، فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال : السلام عليك يا وليّ اللّه فسكنت نفسه إلى ذلك كان في أيديها أسيرا » . وقال بعضهم : « لا يكون الصوفيّ صوفيا حتى لا تقلّه أرض ولا تظله سماء ، ولا يكون له قبول عند الخلق ، ويكون مرجعه في جميع أموره إلى الحق » . وقيل : « الفقير : من لا دنيا له ولا آخرة ؛ فإن عرض على مالك قال : ليس من رجالي . وإن سلم إلى رضوان قال : لا أهتدى أليه وليس من رجالي . وإن قلت : من هو ؟ وما الذي يدعى به قال : ليس ممن يدعى بشيء ! ! وقال محمد بن الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه ، بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج شاب قد أحرقه السموم « 1 » والرياح ، فلما نظر إلي ولى هاربا ، فتبعته ، وقلت له : عظني بكلمة . فقال : احذره ؛ لأنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبد سواه » . وكتب الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه ، إلى بعض إخوانه : من أشار إلى اللّه وسكن إلى غيره ابتلاه اللّه وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه ، فإن انتبه وانقطع ممن سكن إليه ورجع إلى ما أشار إليه كشف اللّه ما به من المحن والبلوى ، وإن دام على سكونه نزع اللّه من قلوب الخلق الرحمة عليه . وألبس لباس الطمع فتزداد رغبته فيهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا ، وموته كمدا ، ومعاده أسفا ، ونعوذ باللّه من السكون لغيره . إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده . الشيطان عدوّ مسلّط على الإنسان ، ومقتضى ذلك أن لا يوجد منه غفلة ولا فترة عن التزيين والإغواء والإضلال . قيل لبعضهم : أينام إبليس ؟ فقال : لو نام لوجدنا راحة . فإذا علمت أنه لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ، وهو اللّه عزّ وجل ، وذلك : بتحقيق عبوديتك له وتوكلك عليه . وافتقارك في كل أحوالك إليه ، واستعاذتك به من شرّ عدوّك وعدوّه ، فبذلك تخرج من سلطنته ، وتنجو من غائلته ، قال اللّه تعالى : إِنَّ

--> ( 1 ) السّموم : الريح الحارة ( ج ) سمائم .