محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

291

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ولا يحزن إلّا لإعراضه عنه ، ولا ينظر إلى المخلوقين في إقبال ولا إعراض ، ولا مدح ، ولا ذم ، فإنهم لا يغنون عنه من اللّه شيئا ، وقد تقدّم مثل هذا المعنى في قوله رحمه اللّه : [ غب عن نظر الخلق إليك ينظر اللّه إليك ، وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ] . فمتى آلمه عدم إقبالهم عليه ، أو توجههم بالذم إليه فليرجع إلى ما بينه وبين ربه ، فإن كان قانعا بعمله ، راضيا بقسمته كان له في ذلك أعظم سلوان عما يفوته من جهة المخلوقين ، بل لا يجد وقعا في قلبه لما عسى أن يكون منهم من إقبال أو إعراض . وإن لم يكن راضيا ولا قانعا ، فمصيبته بذلك أعظم من مصيبته بأذى الناس له ، بل لا مصيبة له في أذى الناس البتة عند من عرف سرّ ذلك على ما يذكره المؤلف الآن رحمه اللّه تعالى . قال إبراهيم التيمي ، رضي اللّه تعالى عنه ، لبعض أصحابه : ما يقول الناس فيّ ؟ فقالوا : يقولون إنك مراء . فقال : الآن طاب العمل . فقال بشر رضي اللّه عنه : اكتفي واللّه بعلم اللّه ، فلم يحب أن يدخل مع علم اللّه علم غيره . وقال بشر الحافي : « سكون النفس إلى قبول المدح لها أشدّ عليها من المعاصي » . إنما أجرى الأذى على أيديهم كيلا تكون ساكنا إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء . وجود أذى الناس للعبد نعمة عظيمة عليه ، لا سيما من اعتاد منه الملاطفة والإكرام ، والمبرّة والاحترام ؛ لأن ذلك يفيده عدم السكون إليهم ، وترك الاعتماد عليهم ، وفقد الأنس بهم ، فيتحقق بذلك عبوديته لربه عزّ وجل . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي ، رضي اللّه تعالى عنه : « آذاني إنسان مرّة ، فضقت ذرعا بذلك ، فنمت فرأيت كأنني يقال لي : من علامات الصدّيقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم » . وقال بعض العارفين : « الصيحة من العدوّ سوط اللّه يضرب به القلوب إذا ساكنت غيره ، ولولا ذلك لرقد القلب في ظلّ العزّ والجاه ، وهو حجاب عن اللّه عظيم » . وقال سيدي أبو محمد عبد السلام شيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي ، رضي اللّه عنهما ، في دعائه : « اللهم إن قوما سألوك أن تسخّر لهم خلقك فسخّرت لهم خلقك ، فرضوا منك بذلك ، اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق عليّ حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك » . وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري ، رضي اللّه عنه : « الأنس بالخلق وحشة ، والطمأنينة إليهم حمق ، والسكون إليهم عجز ، والاعتماد عليهم وهن ، والثقة بهم ضياع ،