محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

290

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

مسلمة العقنبي « 1 » ، رحمه اللّه ، قال : دخلت على مالك بن أنس ، رضي اللّه عنه ، فوجدته باكيا ، فسلّمت عليه ، فردّ السلام ، ثم سكت عنّي يبكي ، فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، ما الذي أبكاك ؟ فقال لي : يا ابن قعنب ، أبكي على ما فرط منّي ، ليتني جلدت بكل كلمة تكلّمت بها في هذا الأمر بسوط ، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل ولقد كان لي سعة فيما سبقت إليه » . قال هذا فيما كان آخذا فيه من المسائل المحققة المبنية على أصول صحيحة غير ملفقة ، فما الظنّ بما انتشر بعده من الهذيان الذي صار بحكم العادة واقتضاء العصبية وتمالؤ الناس على الضلال وتقليد الرؤساء الجهّال دينا قويما وصراطا مستقيما ؟ ! وعلى كلّ واحد من العالم والمتعلّم أن يشتغل بما هو عليه مما هو مأمور به ومسؤول عنه من مراقبة ربّه وإصلاح نفسه وقلبه ، فله في ذلك شغل شاغل عمّا يفرّق همّه ، ويقسي قلبه ، وينسيه ذكر ربّه ، عزّ وجلّ . قال وهب بن منبّه : « ذكر طلب العلم عند مالك بن أنس ، فقال : إن طلبه لحسن إذا صحّت فيه النية ، ولكن انظر ماذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى ، ومن حين تمسى إلى حين تصبح ، فلا تؤثرنّ عليه شيئا » . وكان سفيان الثوري يقول لأهل العلم الظاهر : « طلب هذا ليس من زاد الآخرة » . وكان يقول : « ليس طلب الحديث من عدّة الموت ، لكنه علّة يتشاغل به الرجل » . وكان يقول : « لولا أن للشيطان فيه حظّا ما ازدحمتم عليه » يعني العلم . فهذه نبذة قصدت إلى بثّها في الموضع اللائق بها من هذا التنبيه ليتنبه بها من سبق له من اللّه زوال العمى عن بصره . ومراجعة خوفه وحذره من المعلمين والمتعلمين ، وليتبين بها كلام المؤلف رحمه اللّه غاية التبيين ، وباللّه الذي لا إله سواه نستعين . من آلمك إقبال الناس عليك ، أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم اللّه فيك ؛ فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشدّ من مصيبتك بوجود الأذى منهم . العبد لا ينبغي أن يكون مطمح نظره إلّا إلى مولاه ، فلا يفرح إلّا بإقباله عليه ،

--> ( 1 ) عبد اللّه بن مسلمة بن قعنب الحارثي ( توفي 221 ه - 835 م ) من رجال الحديث الثقات من أهل المدينة ، سكن البصرة ، وتوفي فيها أو بطريق مكة ، روى عنه البخاري ( 123 ) حديثا ، ومسلم ( 70 حديثا ) . ( الأعلام 4 / 137 ، وتهذيب الكمال 10 / 540 ، ووفيات الأعيان 3 / 40 ) .