محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

289

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وعليه أيضا أن يحرص على مخالفة نفسه فيما تدعوه إليه من التعليم ؛ لأن كلّ ما تستحليه النفس ويوافق غرضها مصحوب بالآفات والعلل التي تقدح في إخلاص الأعمال ، وإخلاص الأعمال شرط في وجوب القبول ، وعند ذلك يذهب عمله باطلا ، ولا ينال بسعيه طائلا ، وقد تقدم من كلام علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ( كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم للعمل ) عند قوله [ ما قلّ عمل برز من قلب زاهد ] . وتقدّم أيضا الكلام على اتهام النفس في دعائها إلى ما ظاهره خير عند قوله [ إذا التبس عليك أمران ] . وليتعلّم الجزم في ذلك من بشر بن الحارث الحافي ، رضي اللّه عنه ، كان يقول : « أنا أشتهي أن أحدّث ، ولو ذهبت عنّي شهوة الحديث لحدّثت » . وكان سبب تركه طلب الحديث أنه سمع أبا داود الطيالسي « 1 » يحدّث عن شعبة « 2 » ، أنه كان يقول : الإكثار من الحديث يصدّكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ! ! فلما سمعه منه قال : انتهينا . . انتهينا ، ثم ترك الرحلة في طلب الحديث وأقبل على العبادة . وروى أيضا مثل هذا الكلام عن مسعر بن كدام « 3 » . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثابة عند إمامي المحدّثين في زمانيهم مع ما فيه من الفوائد الأخروية ، فما ظنّك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها ؟ ! ولقد ذكر الشيخ الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ، رحمه اللّه ، بإسناده إلى عبد اللّه بن

--> ( 1 ) هو سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش ( 133 - 204 ه - 750 - 819 م ) أبو داود الطيالسي من كبار حفاظ الحديث ، فارسي الأصل . سكن البصرة وتوفي بها كان يحدّث من حفظه . له « مسند » جمعه بعض الحفاظ الخراسانيين . ( الأعلام 3 / 125 ، وتاريخ بغداد 9 / 24 ، وتهذيب الكمال 8 / 34 ) . ( 2 ) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي ( 82 - 160 ه - 701 - 776 م ) مولاهم ، الواسطي ثم البصري ، أبو بسطام ، من أئمة رجال الحديث ، ولد ونشأ بواسط ، وسكن البصرة إلى أن توفي ، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين ، وجانب الضعفاء والمتروكين . له كتاب « الغرائب » في الحديث . ( الأعلام 3 / 164 ، وحلية الأولياء 7 / 144 ، وتهذيب الكمال 8 / 344 . ( 3 ) مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي ( توفي 152 ه - 769 م ) أبو سلمة من ثقات أهل الحديث ، كوفي ، كان يقال له « المصحف » لعظم الثقة بما يرويه ، وكان مرجئا وعنده نحو ألف حديث ، وخرّج له الستة ، توفي بمكة . ( الأعلام 7 / 216 ، وحلية الأولياء 7 / 209 ، وتهذيب الكمال 18 / 51 .