محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

272

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ الحديد : 20 ] . إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا للأكدار تزهيدا لك فيها . ورود الأغيار والأكدار الدنيوية على العبد نعم من اللّه تعالى عليه ؛ لأن ذلك - لا محالة - يدعوه إلى الزهادة في الدنيا والتجافي عنها ، ويصرف عنه وجود الغباوة والجهالة لأجل تمسكه بالخيال ، وما يستضرّ به في الحال والمآل ؛ لأن الموجب لرغبته فيها وحرصه على نيلها إنما هو ما يتوهمه فيها من الحصول على منيته وبغيته وقضاء غرضه من شهوته ونهمته من غير مكدّر ولا منغّص ، ولو تصوّر له حصوله على هذه الأشياء على حسب ما يحبه ويهواه كان ينبغي له أن يرغب عنها عوضا عن الرغبة فيها إن كان عاقلا ؛ لأن مآل أمرها إلى الفناء والزوال ، والافتقار والانقضاء والارتحال ، وقد قالوا : « شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم » . وقال الشاعر : أشدّ الغمّ عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه ارتحالا أرى الدنيا على من كان فيها * تدور فلا تديم عليه حالا ثم هي مانعة له من سعادة الآخرة ، والقرب من اللّه عزّ وجلّ ، الذي هو غاية طلب الطالبين ونهاية رغبة الراغبين ، فكيف وهو معرّض فيها لأنواع المصائب والفجائع ، ووقوع الأغيار والأكدار ، فما من أحد فيها إلا وهو في كل حال ووقت غرض لأسهم ثلاثة : سهم بليّة ، وسهم رزيّة ، وسهم منيّة ، فإذا نزل به ذلك عادت النعمة نقمة ، وانقلبت الحبرة « 1 » عبرة ، وصارت الفرحة ترحة « 2 » ، وهكذا شأن الدنيا أبدا ، فلا يفي مرجوّها بمخوّفها ، ولا يقوم خيرها بشرّها ، ولقد صدق الشاعر في قوله : إن الليالي لم تحسن إلى أحد * إلا أساءت إليه بعد إحسان وصدق أيضا من قال : ما قام خيرك يا زمان بشرّه * أولى بنا ما قلّ منك وما كفى زمن إذا أعطى استردّ عطاءه * وإذا استقام بدا له فتحرّفا وقد كتب عليّ بن أبي طالب إلى سلمان ، رضي اللّه عنهما : « إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ليّن ملمسها ، قاتل سمّها ، فأعرض عنها وعمّا يعجبك منها ، لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون منها ، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص « 3 » منها إلى مكروه » .

--> ( 1 ) الحبر : السرور والنعمة وسعة العيش . ( 2 ) الترحة : المرة الواحدة من الترح وهو الهم وضد الفرح . ( 3 ) أشخص فلان : حان سيره وذهابه .