محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
273
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال بعض البلغاء : « دار الدنيا كأحلام المنام ، وسرورها كظل الغمام ، وأحداثها كصوائب السهام ، وشهواتها كشرب السمام ، وفتنتها كالأمواج الطوام » . وقال أبو العتاهية « 1 » : هي الدار دار الأذى والقذى * ودار الفناء ودار الغير « 2 » ولو نلتها بحذافيرها * لمتّ ولم تقض منها الوطر « 3 » أيا من يؤمّل طول البقاء * وطول الخلود عليه ضرر إذا ما كبرت وفات الشباب * فلا خير في العيش بعد الكبر وأنشد أبو منصور الثعالبي « 4 » ، رحمه اللّه ، في ذمّ الدنيا : تنحّ عن الدنيا فلا تخطبنّها * ولا تخطبن قتّالة من تناكح فليس يفي مرجوّها بمخوفها * ومكروهها إن تأمّلت راجح لقد قال فيها الواصفون وأكثروا * وعندي لها وصف لعمريّ صالح سلاف قصارها زعاف ومركب * شهيّ إذا استلذذته فهو جامح « 5 » وشخص جميل يؤنس الناس حسنه * ولكن له أسرار سوء قبائح فإذا علم العبد هذا كلّه علم اليقين ، وتمكّن من قلبه غاية التمكين ، لم يتصوّر منه مع ذلك وجود رغبة البتة ؛ لأنه إذ ذاك يجمع بين خيبتين وخسارتين ، ويأتيه الموت وهو صفر « 6 » اليدين من منافع الدارين وذلك هو الخسران المبين .
--> ( 1 ) أبو العتاهية ( 130 - 211 ه - 748 - 826 م ) إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي بالولاء ، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية ، شاعر مكثر ، سريع الخاطر ، في شعره إبداع وهو يعد من مقدمي المولدين ، كان جيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره ، ولد في « عين التمر » ونشأ في الكوفة ، وسكن بغداد ، كان يبيع الجرار ثم اتصل بالخلفاء فعلت مكانته . توفي في بغداد . ( الأعلام 1 / 321 ، ولسان الميزان 1 / 426 ، ووفيات الأعيان 1 / 219 - 226 ) . ( 2 ) القذى : يقال هو يفضي على القذى أي يسكت على الذل والضيم ولا يشكو الغير : غير الدهر : أحداثه وأحواله المتغيرة من الصلاح إلى الفساد . ( 3 ) الوطر : الحاجة والبغية ( ج ) أوطار ، حذافير الشيء : جوانبه وأعاليه ونواحيه . ( 4 ) أبو منصور الثعالبي ( 350 - 429 ه - 961 - 1038 م ) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل ، من أئمة اللغة والأدب من أهل نيسابور . كان فرّاءا يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته ، واشتغل بالأدب والتاريخ فنبغ . صنف الكتب الكثيرة منها « يتيمة الدهر » و « فقه اللغة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 163 ، وشذرات الذهب 3 / 246 ، ووفيات الأعيان 3 / 178 . ( 5 ) السلاف : الخمر أول ما تعصر ، وما سال وما تحلّب من عصير العنب قبل العصر ، وأخلص الخمر وأفضلها . القصارى : الجهد والغاية . ( 6 ) صفر اليدين : أي ليس في يده شيء .