محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

271

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ظاهرها غرّة وباطنها عبرة ) . قال وهب بن منبّه ، رضي اللّه تعالى عنه : « صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا ، فوجده مشغولا عنه بذكر اللّه تعالى ، والفكر ، لا يفترّ ، ثم التفت له في اليوم السابع فقال : يا هذا ، قد علمت ما تريد : حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ، والزهد فيها رأس كل خير ، والتوفيق نجاح كلّ برّ ، فاحذر رأس كلّ خطيئة ، وارغب في رأس كلّ خير ، وتضرّع إلى ربّك أن يهب لك نجاح كلّ برّ . قال : وكيف أعرف ذلك ؟ قال : كان جدّي رجلا من الحكماء قد شبّه الدنيا بسبعة أشياء ؛ شبهها بالماء المالح يغرّ ولا يروى ويضرّ ولا ينفع ، وبظلّ الغمام يغرّ ويخذل . وبالبرق الخلّب « 1 » يغرّ ولا ينفع ، وبسحاب الصيف يغرّ ولا ينفع ، وبزهر الربيع يغرّ بنضرته ثم يصفر فتراه هشيما « 2 » ، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد في يده شيئا إلّا الحسرة ، وبالعسل المشوب بالسمّ الزعاف « 3 » يغرّ ويقتل . فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول « 4 » التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها . فرأيت جدّي في المنام فقال لي : يا بنيّ أنت مني وأنا منك فقلت له : فبأيّ شيء يكون الزهد في الدنيا ؟ قال : باليقين ، واليقين بالصبر ، والصبر بالعبر ، والعبر بالفكر . ثم وقف الراهب وقال : خذها ولا أراك خلفي إلّا متجرّدا بفعل دون قول ، فكان ذلك آخر العهد به . وقال محمد بن علي الترمذي ، رضي اللّه عنه : « لم تزل الدنيا مذمومة في الأمم السابقة عند العقلاء منهم ، وطالبوها مهانون عند الحكماء الماضين ، وما قام داع في أمة إلا وقد حذّر من متابعة الدنيا وجمعها والحبّ لها ، ألا ترى مؤمن آل فرعون كيف قال : اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ [ غافر : 38 ] ، وقال : إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ [ غافر : 39 ] أي : لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبة الدنيا وطلب لها . والحكايات والآثار في أحوال الدنيا ، وغرورها ، وشرورها أكثر من أن تحصى ، ولا شيء أبين في ذلك من قول اللّه تعالى في صفتها : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ ، وَمَا

--> ( 1 ) البرق الخلّب : أي البرق الكاذب لا مطر فيه ( ج ) بروق . ( 2 ) الهشيم : النبت اليابس المتكسر . ( 3 ) السم الزعاف : سريع القتل . ( 4 ) الغول : الهلكة أو حيوان وهمي لا وجود له ( ج ) غيلان .