محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

270

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقيل لأبي القاسم الجنيد ، رضي اللّه عنه : « متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ فقال : إذا كان للأمور مميّزا ، ولها متصفّحا ، وعمّا يوجبه عليه العقل باحثا ، يلتمس بذلك طلب الذي هو أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه . فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كلّ أحواله بعد إحكام العمل بما فرض اللّه عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر عمّا هو أحقّ وأولى ، ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير ، فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ، وترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضى وذلك صفة لكلّ ما احتوت عليه الدنيا كذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصدّه التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ، ويتأبدّ سرورها ، ويتصل بقاؤها ، وذلك أن الدين يدوم نفعه ، ويبقى على العامل له حظّه ، وما سوى ذلك زائل متروك ومفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ، ومحاسبة اللّه عليه ، وكذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله والأخذ منها بأوفرها . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 18 ] بذلك وصفهم اللّه تعالى . وذوو الألباب هم ذوو العقول ، وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم اللّه به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها . وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل ، وإلى ذلك ندب اللّه عزّ وجل من عقل في كتابه » انتهى كلام الجنيد ، رضي اللّه عنه ، وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق ، وفيه مناسبة لما كنا بصدده من التنبيه على كلام المؤلف رحمه اللّه تعالى فرأيت ذكره هاهنا لائقا ، واللّه تعالى الموفقّ للعمل بمنّه وكرمه . وإن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك . هذه من أمثلة ما تقدّم ؛ لأن الولاية مآلها إلى الحزن ؛ بسبب وقوع العزل عنها . ومقتضى نظر العقل ترك الولاية المفروح بها لئلا يقع في العزل المحزون به . إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات ، إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن . بدايات الأمور وظواهرها ترغّب الجاهل فيها ؛ وتدعوه إليها ؛ لأنها رائقة الحسن ، مليحة الظاهر فيغترّ الجاهل بذلك فتقوده إلى ما فيه ضرره وهلاكه . ونهايات الأمور وبواطنها تزهد العاقل وتنهاه عنها بما أشهدته من سماجتها وقبح باطنها فيعتبر العاقل بذلك ، فيهرب منها ، ويسلم من شرّها . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( الأكوان