محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

262

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

العمل الذي لا يجد صاحبه حضورا فيه ينبغي له أن لا ييأس من قبوله فإن ذلك إلى اللّه تعالى ، فقد يقبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا من وجدان حضور أو حلاوة أو غير ذلك ، ولو لم يكن إلّا قصد التقرب به وسقوطه عن نظره وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : ( لا عمل أرجى للقلوب ) . لا تزكين واردا لا تعلم ثمرته ، فليس المراد من السحابة الإمطار ، وإنما المراد منها وجود الإثمار . الوارد مراد لثمرته ، لا لوجدان حظ نفسك منه ، كما أن السحابة مرادة لوجدان الإثمار الذي اقتضاه وجود إمطارها ، لا لمجرد وجود إمطارها . وثمرة الوارد إنما هي تأثّر القلب به ، وتبدّل صفاته المذمومة بصفات محمودة كما تقدّم . فإن لم تعلم وجود هذا فيك فلا تزك الوارد ، ولا تفرح به ؛ فإن في ذلك نوعا من الاغترار ، وانخداعا بلبسة الإظهار ، فكن على حذر منه . لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها فتلك فلك في اللّه غنى عن كل شيء وليس يغنيك عنه شيء . أنوار الواردات المنبسطة على العبد هي : تكيّف ظاهره وباطنه بكيفيات العبودية وأسرارها المودعة فيه بما لاح له من عظمة الربوبية ، فإذا أفادك الوارد هذه الفوائد فلا تطلبن بقاءه في حال كونه ، ولا تأس على فقده إذا فقدته ؛ فإن لك في اللّه غنى عنه وعن غيره ، وليس لك غنى عن اللّه تعالى في شيء من الأشياء كما قال الشاعر : لكل شيء إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوض قال أبو عبد اللّه بن عطاء اللّه ، رضي اللّه عنه : « إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا » . ويدخل في هذا المعنى الذي ذكره ابن عطاء اللّه ، رضي اللّه عنه جميع الأغيار ، والأنوار ، والمقامات ، والأحوال ، والدنيا ، والآخرة ، والنعم الباطنة والظاهرة . فلا تلاحظ شيئا من ذلك ولا تركنن إليه ، ولا تعتمد عليه ، بقي أو ذهب ؛ فإن ذلك قادح في إخلاص التوحيد . قال في « التنوير » : « واعلم أن الباري - سبحانه - إنما يدخلك في الحال لتأخذ منها ، لا لتأخذ منك ، وإنما جاءت تحمل هدية التعريف من اللّه إليك فيها ، فتوجّه إليها باسمه « المبدىء » فأبداها وأبقاها ، حتى إذا أوصلت إليك ما كان لك فيها ، فلما أدّت الأمانة توجّه إليها باسمه « المعيد » فأرجعها وتوفّاها فلا تطالبنّ بقاء رسول بعد أن بلّغ