محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

263

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فرسالته ، ولا أمين ، بعد أن بلّغ أمانته ، وإنما يفتضح المدّعون بزوال الأحوال وبعزلهم عن مراتب الأنزال ، هناك يبدو العوار ، وتنتهك الأستار ، فكم من مدّعي الغنى باللّه وإنما غناه بطاعته أو بنوره ، أو فتحه ، وكم من مدّعي العزّ باللّه وإنما اعتزازه بمنزلته وصولته على الخلق ، معتمدا على ما ثبت عندهم من معرفته . فكن عبدا للّه ، لا عبد العلل ، وكما كان اللّه لك ربا ولا علة ، فكن عبدا له ولا علة ، لتكون له كما كان لك » ا ه . وقال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه عنه : « عبد هو في الحال بالحال وعبد هو في الحال بالمحوّل ، فالذي هو في الحال بالحال عبد الحال ، والذي هو في الحال بالمحول عبد المحوّل ، وأمارة من هو في الحال بالحال أن يأسى عليها إذا فقدها ، ويفرح بها إذا وجدها والذي هو في الحال بالمحوّل ، لا يفرح بها إذا وجدت ، ولا يحزن عليها إذا فقدت ، وفي الإشارات عن اللّه سبحانه « لا تركن إلى شيء دوننا فإنه وبال عليك ، وقاتل لك ، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك وإن أويت إلى العمل رددناه عليك ، وإن وقفت بالحال وقفناك معه ، إن أنست بالوجد استدرجناك فيه ، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم ، وإن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك ، فأيّ حيلة لك ؟ ! وأيّ قوة معك فارضنا لك ربا ، حتى نرضاك لنا عبدا » . تطلعك إلى بقاء غيره دليل على عدم وجدانك له واستيحاشك لفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به . وجدان العبد لربّه ووصوله إليه هو غاية مطالبه ومنتهى آماله ومآربه ، وبه يفوز بالنعيم ، ويحظى بالملك العظيم ، وعند ذلك ينسى كلّ محبوب ، ويلهى به عن كل مفروح به ومرغوب . وهذه هي صفة أهل « التفريد » الذين استتروا في ذكر اللّه المجيد ، كما روى عن أبي عبد اللّه البسري ، رضي اللّه عنه قال : سألت رجلا ب « اللكام » ما الذي أجلسك في هذا الموضع ؟ فقال لي : وما سؤالك عن شيء إن طلبته لم تدركه ، وإن لحقته لم تقع عليه ؟ ! قلت : تخبرني ما هو . قال : علمي بأن مجالسة اللّه تستغرق نعيم الجنان ، ثم قال : أوّاه ! ! قد كنت أظن أن نفسي ظفرت ، ومن الخلق هربت ، فإذا أنا كذّاب في مقالتي ، لو كنت محبّا للّه صادقا ما اطّلع عليّ أحد ! ! فقلت : أما علمت أن المحبين خلفاء اللّه في أرضه ، مستأنسين بخلقه يبعثونهم على طاعته ! ! فصاح صيحة وقال لي : يا مخدوع ، لو شممت رائحة الحبّ وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت ، ثم قال : يا سماء ، ويا أرض ، اشهدا أني ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قطّ ، إن كنت صادقا فأمتني ، فو اللّه ما سمعت له كلاما بعدها ، وخفت أن يسبق إليّ الظنّ من الناس من قتله فتركته ومضيت فبينما أنا على ذلك ، وإذا أنا بجماعة ، فقالوا : ما فعل الفتى ؟ فكنيت عن ذلك . فقالوا : ارجع فإن اللّه قد قبضه ، فصليت معهم