محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
250
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ليعرّفك قدر ما منّ عليك من أنوار التجليّ والحضور في نهاية القربة والوصلة فجميع ذلك نعم سابغة عليك من غير علم منك بذلك . من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها . أكثر الناس لا يعرفون قدر النعم إلّا إذا فقدوها ، وذلك لأجل غلبة الغفلة عليهم حين وجودها عندهم . قال سريّ السقطيّ ، رضي اللّه عنه : « من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم » . وقال الفضيل ، رضي اللّه عنه : « عليكم بمداومة الشكر على النعم ؛ فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم » . وقال بعض البلغاء : « إذا كانت النعمة وسيمة ، فاجعل الشكر لها تميمة » . وقال آخر : « شكر النعمة عصمة من حول النقمة » . وفي معنى هذا قيل : « إنما يعرف قدر الماء من بلي بالعطش في البادية ، لا من كان على شاطىء الأنهار الجارية » . وقيل أيضا : « الولد العاقّ المصرّ على تأبّيه إنما يعرف قدر الآباء يوم وفاة أبيه » . وقيل : « نعم اللّه مجهولة ، وتعرف إذا فقدت » . ومن دعاء بعض الصالحين : « اللهم عرّفنا نعمتك بدوامها ، ولا تعرّفها لنا بزوالها » . قلت : ولأجل غلبة الجهل بالنعم إلّا عند الفقد وتضييع الشكر عليها من العبد أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالنظر إلى من هو أسفل منّا ، لئلا نذدري نعمة اللّه علينا ، والسعيد من وعظ بغيره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة ، رضي اللّه عنه : « انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم » « 1 » . وروى أيضا عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه » « 2 » . قال الشيخ أبو حامد رضي اللّه عنه : « . . كان بعض الصوفية وظف على نفسه كلّ يوم أن يحضر دار المرضى فيشاهدهم ويشاهد عللهم ، ومحنهم ، ويحضر حبس السلطان ، ويشاهد أرباب الجنايات ، ومحنهم ، في التعرض لإقامة العقوبات ، ويحضر المقابر فيشاهد أصحاب العزاء وتأسّفهم على ما لا ينفع مع اشتغال الموتى بما هم فيه ،
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة ، 58 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 9 ) ، أحمد بن حنبل ( 2 ، 254 ، 482 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 2 ، 314 ) .