محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

251

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وكان يعود إلى بيته ، ويشتغل بالشكر طول النهار على نعم اللّه عليه في تخليصه من تلك البلايا » ا ه . وكان الربيع بن خيثم ، رضي اللّه عنه ، حفر في داره قبرا ، وكان يضع في عنقه غلّا ، وينام في لحده « 1 » ، ثم يقول : رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [ المؤمنون : 99 ] ثم يقوم ويقول : يا ربيع ، قد أعطيت ما سألت . فاعمل ، قبل أن تسأل الرجوع فلا تردّ ، وهذا كله موافق لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحديثين المذكورين ، ولا طريق للعبد الغافل إلى تعرّف النعم الموجودة لديه أبلغ منه ؛ فإذا عرف نعم اللّه تعالى عليه اشتغل بالشكر عليها من قبل أن تزال عنه ، فلا يكون له سبيل إليها . وقد تقدّم من كلام المؤلف رحمه اللّه : [ من لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها ، ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها ] . لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ؛ فإنّ ذلك مما يحط من وجود قدرك . إذا ترادفت نعم اللّه تعالى عليك فلا ينبغي أن تدهشك عن القيام بشكرها من حيث ترى عجز نفسك عن توفية ذلك ، وأن لا قبل لك به فتتركه ، فإن اللّه تعالى رفع قدرك وأعلى أمرك وجعل القليل منك كثيرا ، وأشهدك من حسن تولّيه لك ، ونسبة أفعالك إليه ما يؤذن بعظم سيادتك ورفعة قدرك ، فلم تبخس نفسك حقّها عن قدرها فتراها عاجزة عن الشكر والقيام بمقتضى الأمر ، لا على وجه الأدب والإتيان من الشكر بما وجب كأن الأمر في ذلك إليها . قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : « ما من نعمة إلّا والحمد للّه أفضل منها ، والنعمة التي ألهم اللّه بها الحمد أفضل من الأولى ؛ لأن بالشكر يستوجب المزيد » ، وفي أخبار داود عليه السلام : « إلهي ، ابن آدم ، ليس فيه شعرة إلّا وتحتها نعمة وفوقها نعمة فمن أين يكافئك ؟ ! ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود إنّي أعطي الكثير وأرضى باليسير ، وإنّ شكر ذلك أن تعلم أنّ ما بك من نعمة فمنّي » . وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، إليه : إنّي بأرض قد كثرت فيها النعم حتى أشفقت عليّ من قبل ضعف الشكر » ، فكتب إليه عمر : إنّي كنت أراك أنك أعلم باللّه ممّا أنت إنّ اللّه تعالى لم ينعم على عبد نعمة فحمد اللّه عليها إلّا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلّا في كتاب اللّه المنزّل ، قال اللّه : وَلَقَدْ آتَيْنا

--> ( 1 ) اللحد : شق يكون في جدار القبر ، يوضع فيه الميت .